أزمة العملات المزورة في دير الزور: تهديد خفي يضرب الاقتصاد المحلي
عمر عبد الرحمن – دير الزور
في أسواق دير الزور المزدحمة، حيث تختلط أصوات الباعة بروائح الخضار والبهارات، لم يعد الخوف من القصف أو فقدان الأمن هو الهاجس الأكبر للسكان. ثمة حرب خفية جديدة، لا تُرى بالعين المجردة، تدور على الورق ذاته الذي يُفترض أن يكون رمزًا للثقة: النقود.
خلال الأشهر الأخيرة، تفاقمت ظاهرة تداول العملات المزورة، سواء السورية أو الأجنبية، لتتحول إلى كابوس يومي يلاحق كل من يبيع أو يشتري. فالعملة التي يحملها السكان لم تعد مصدر طمأنينة، بل قد تكون سبب خسارته الوحيدة.
بين الادخار والخسارة
يستعيد حميد العبد الرزاق من مدينة دير الزور تفاصيل يوم لم ينسه: “ذهبت لشراء أدوات كهربائية من محل معروف، وقدّمت أوراقاً من فئة الخمسين والمئة دولار. رفضها صاحب المحل قائلاً إنها مزورة. لم أصدق، فذهبت إلى ثلاثة مكاتب صرافة مختلفة، والنتيجة واحدة: ورقتان من أصل أربع مزورتان. خسرت ما يعادل راتب ثلاثة أشهر، وما زلت أخاف أن أفحص ما تبقى من مدخراتي في البيت خوفًا من أن تكون مزورة أيضاً”.
ويضيف حميد بنبرة يختلط فيها الغضب بالمرارة لنورث برس: “كنا نخاف من القصف والاعتقال والحرب، أما اليوم فنخاف من النقود التي في جيوبنا”.
حكاية حميد تلخّص جانباً إنسانياً من أزمة اقتصادية متصاعدة، حيث لم يعد السكان قادرون على الوثوق في مالهم أو في الطرف الآخر الذي يتعاملون معه.

الصرافون على خط النار
في مدينة هجين بريف دير الزور الشرقي، يجلس يوسف الرجا خلف طاولته الزجاجية، محاطاً بعدسات مكبرة وأجهزة كشف بالأشعة فوق البنفسجية. يقول لنورث برس: “نعيش بين العدسة والجهاز، نرفض يومياً عشرات الأوراق النقدية المزورة، بعضها من فئة 5000 ليرة سورية وأخرى من الدولار. التزوير أصبح مرعباً ومتقناً، لدرجة أن العلامة المائية والشريط الأمني يُقلّدان بدقة يصعب تمييزها بالعين المجردة”.
يتحدث يوسف عن مكاتب صرافة كثيرة تعاني المشكلة ذاتها: “في الأيام العادية نرفض من ثلاث إلى ثمان أوراق دولار مزورة يومياً، بالإضافة إلى عملات سورية. عدد مكاتب الصرافة في المنطقة يتجاوز الثلاثين، وكلها تواجه المشكلة نفسه. العصابات باتت تمتلك طابعات وأوراقًا خاصة، ويبدو أن جزءاً من العملات يأتي عبر المعابر غير الشرعية مع العراق، فيما يُعتقد أن ورش تزوير محلية نشطت داخل الأحياء الآمنة”، بحسب قوله.
ويقدّم الرجا نصائح عملية للحد من الخطر: “عدم قبول أي ورقة ممزقة أو متجعدة، واستخدام قلم كشف التزوير، أو مراجعة مكاتب الصرافة عند الشك. هذه الأدوات بسيطة لكنها قد تنقذ الناس من خسارة كبيرة”.
جذور الأزمة العميقة
يرى سامر العبود، وهو ناشط في مجال التنمية المجتمعية، أن المشكلة تتجاوز الجانب التقني للتزوير، لتصل إلى بنية الاقتصاد والإدارة نفسها: “الأزمة ليست مجرد ورقة نقدية مقلدة، بل انعكاس لغياب سلطة المؤسسات وضعف القانون. دير الزور محافظة حدودية، تتقاسمها أطراف متعددة، وتفتقر إلى رقابة مالية وأمنية فعالة، مما يخلق بيئة مثالية لازدهار التزوير والتهريب”.
ويضيف العبود أن الاقتصاد المحلي يعتمد بشكل شبه كامل على التداول النقدي المباشر لا على القنوات المصرفية، ما يجعل من السهل تسريب العملة المزورة دون رقابة.
ويشير إلى أن “الفقر والبطالة واليأس جعلت بعض البسطاء – عن قصد أو دون قصد – جزءاً من حلقة التزوير، سواء بتمرير العملات أو ترويجها لتأمين لقمة العيش”.
تداعيات اقتصادية واجتماعية
انعكاسات الأزمة لا تتوقف عند خسارة الأفراد، بل تمتد إلى الثقة العامة بالسوق؛ “انهارت الثقة بين البائع والمشتري أخطر من التزوير نفسه”، يقول العبود.
ويضيف: “كل شك في ورقة نقدية يتحول إلى شجار، وقد يتطور إلى مشكلة أمنية، فضلاً عن تراجع حركة البيع والشراء بسبب خوف التجار من التعامل مع زبائن جدد، مما يؤدي إلى شح السلع وارتفاع الأسعار بشكل غير مباشر”.
ويصف بعض الاقتصاديين ما يجري بأنه “شلل تدريجي للاقتصاد المحلي”، حيث يتراجع التداول التجاري لصالح الادخار السلبي، ويزداد الطلب على الدولار الحقيقي، مما يضغط على سعر الصرف ويرفع التضخم في المنطقة.
ويرى العبود وآخرون أن المعالجة لا يمكن أن تقتصر على التوعية الفردية، بل تحتاج إلى استراتيجية شاملة تشمل: “تفعيل دور المصارف وتشجيع السكان على استخدام التحويلات الإلكترونية والبطاقات المصرفية. تنفيذ حملات توعية عبر الجمعيات الأهلية والمساجد حول طرق كشف العملات المزورة. ملاحقة ورش التزوير وتفكيك شبكات التهريب بدلاً من الاكتفاء بالمراقبة. إطلاق خطة لاستبدال العملات القديمة بأخرى جديدة بتقنيات أمان متقدمة”.
“استبدال العملة خطوة مكلفة لكنها ضرورية”، يقول العبود. مضيفاً: “هي الطريقة الوحيدة لحماية الفقراء الذين يقعون ضحايا دون قصد، وإعادة الثقة بالنظام النقدي”.
وفي النهاية، لا تبدو أزمة العملات المزورة مجرد خلل مالي، بل أزمة ثقة تضرب أساس العلاقة بين الناس في السوق.
فكل ورقة نقدية مشكوك بها تعني صفقة خاسرة، وكل شك بين بائع ومشترٍ يضيف طبقة جديدة من الخوف إلى حياة أنهكتها الحرب. وفي دير الزور اليوم، لا يخشى الناس من صوت المدافع، بل من ملمس الورقة التي يدفعونها أو يستلمونها.