العتالة في كوباني .. عمل شاق يطارد لقمة العيش ويحارب التعب
فتاح عيسى – كوباني
في ساحة الخانات الزراعية وسط كوباني، يتجمع أشخاص بانتظار الشاحنات التي يطلب أصحابها تحميل أكياس القمح والشعير ومواد زراعية أخرى. يقف بينهم عبدو شكري، وهو عتّال في الثامنة والأربعين من عمره، وأب لتسعة أطفال، يربط قطعة قماش حول خصره ويمسح العرق عن جبينه استعدادًا لتأمين قوت عائلته.
يقول شكري، وهو يستريح للحظات قرب إحدى الخانات، إنه يعمل في مهنة العتالة منذ خمسةٍ وعشرين عامًا، لافتًا إلى أن مهنتهم تزدهر خلال موسم الحصاد، حيث تتحسن واردات العتالين، إذ يتراوح دخلهم اليومي بين 400 و500 ألف ليرة سورية. ويعتبر أن من إيجابيات مهنته أنها تتيح له التجول في 366 قرية تابعة لكوباني، بحسب قوله.
ويتابع شكري مبتسمًا أنه يعتبر المهنة نوعًا من الرياضة، لأن أجسادهم تأقلمت معها رغم قسوتها. ويبلغ عدد العتالين في كوباني نحو خمسين شخصًا خلال موسم الحصاد، بينما يتراجع العدد إلى أقل من عشرين في بقية فصول السنة.
عمل موسمي
يقول شكري إن المواسم الزراعية السيئة خلال العامين الماضيين أثرت سلبًا على عملهم ودخلهم، مشيرًا إلى أن الموسم الجيد يعود بالفائدة على الجميع، من مزارعين وتجار وعتالين على حد سواء.
على بُعد أمتار من شكري، يجلس أحمد مصطفى، وهو عتّال في الرابعة والأربعين من عمره، وأب لستة أطفال. يقول إنه يعمل منذ عشرين عامًا في العتالة، لكن عمله موسمي يقتصر على فترة الحصاد، وبعدها ينتقل إلى مهنة أخرى. ويضيف أنه يحصل خلال شهرين من الموسم على نحو 700 دولار تقريبًا.
ويتابع مصطفى، في حديثه لـ”نورث برس”، أنه يحمل جوالات وأكياس القمح والشعير والعدس والذرة، أيًّا كان نوع الحمل، إذ يتراوح وزن الجوال الواحد بين 100 و140 كيلوغرامًا.
ويشير إلى أنه في الأيام الأولى من بدء العمل يشعر بآلام في جسده إلى أن يعتاد المجهود، لافتًا إلى أنه عمل سابقًا في ريف الرقة عندما كان شابًا، حيث كان يحمل جوالات القطن التي تزن أكثر من 200 كيلوغرام.
“مهنة الفقراء”
ويرى مصطفى أن العتالة تُعد “مهنة الفقراء”، لأن العاملين فيها لا يملكون رأس مال ولا مهنة أخرى، مشيرًا إلى أن أصحاب الخانات يتحكمون بأجورهم عندما ينخفض الطلب على العمل، لكن لا خيار أمامهم، فهي مهنة تؤمّن لقمة العيش لعائلاتهم.
أما حجي بكو، البالغ من العمر ستةً وأربعين عامًا، وأب لأربعة أطفال، فينحني ليعتلي كيسًا جديدًا من القمح، ثم يقول إنه يعمل منذ 22 عامًا في هذه المهنة، وإنه يزاولها على مدار السنة، واصفًا إياها بـ”المتعبة والمرهقة”، لكنها تزدهر في موسم الحصاد من حيث الواردات.
ويضيف بكو لـ”نورث برس” أن هناك عتالين يعملون مقابل 15 ألف ليرة للطن، وآخرين مقابل 20 ألفًا، ما يتسبب بعدم حصول جميع العتالين على فرص متكافئة في العمل، مطالبًا بتوحيد الأجرة عند 20 ألفًا حتى لا يتضرر أحد، لأن من يطلب أجرة أقل يحصل على العمل.
مهنة دون نقابة
ويشير بكو إلى أنه لا يوجد اتحاد (نقابة) ينظم مهنتهم، كما لا يوجد ضمان صحي في عملهم، فالمهنة تعتمد على الجسد والقوة البدنية والتحمّل.
ويؤكد أن الموسم الزراعي هو الذي يحدد أوضاعهم، فعندما يكون الموسم جيدًا تنتعش الحركة في السوق، فيستفيد من ذلك أصحاب السيارات والعتالون والمزارعون والتجار، أما إذا كان الموسم سيئًا فيضطر المزارعون إلى الاستدانة، وكذلك كل من يرتبط عمله بالمواسم الزراعية.
ويختم بكو بالقول إن مهنة العتالة “شاقة” تؤثر على أكتافهم وأقدامهم، وأحيانًا لا يستطيعون حتى الجلوس لتناول الطعام من شدة التعب، لكنها تبقى مصدر رزقهم الوحيد.