السلاح غير المنضبط يهدد الجامعات السورية: دعوات لحماية مستقبل البلاد
نورمان العباس – دمشق
شهدت جامعات سورية مؤخراً عدداً من حوادث العنف، في مشهد يؤكد أن تأثير حرب الأربعة عشر عاماً لم تغادر الحرم الجامعي، وبذلك تكون الجامعات السورية أمام أكبر تحدٍ في تاريخها.
يجمع مراقبون أن هذه الحوادث تهدد جوهر الرسالة التعليمية للجامعات، وتحوّلها من منارات للعلم إلى ساحات لتصفية الحسابات، ما ينعكس سلباً على مستقبل التعليم العالي في سوريا ومكانته الإقليمية والدولية.
وقائع مؤسفة
شهدت جامعة دمشق، الأحد الماضي، وقفة احتجاجية نظمها أعضاء الهيئة التدريسية في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، استنكاراً لمحاولة اغتيال عميد الكلية الدكتور علي اللحام بعد أن اقتحم مسلحون الحرم الجامعي وألقوا قنبلة يدوية لم تنفجر.
ورفع المشاركون في الوقفة شعارات تطالب بوقف العنف داخل المؤسسات التعليمية، وحماية الكوادر الأكاديمية، والحفاظ على حرمة الجامعات باعتبارها بيئة للعلم لا ساحة للصراعات.
كما تعرض المدرس الجامعي في جامعة “حلب الحرة”، الدكتور مسلم اليوسف، لمحاولة اغتيال في مدينة خان شيخون في ريف إدلب الجنوبي، الأسبوع الفائت، إلا أنه نجا منها.
وتزامناً مع العنف في السويداء تحدثت العديد من التقارير الصحفية عن استهداف طلاب دروز، ما يعكس تأثر الجامعات بالوضع العام في البلاد.
تحذيرات
يرى الدكتور تيسير المصري وهو رئيس قسم المحاسبة في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق لنورث برس، أن السبب المباشر وراء ظاهرة العنف الجامعي هو انتشار السلاح بشكل غير منضبط، ووجوده بأيدي أشخاص يفتقرون إلى الوعي والمسؤولية.
ويضيف أن غياب العقوبات الرادعة، ولجوء المجتمع إلى الحلول العشائرية خارج إطار القانون، أسهما في تكريس هذه الفوضى وتشجيع مرتكبيها.
ويرى المصري أن هناك أيضاً أسباباً غير مباشرة تتعلق بالخلفيات الفكرية والثقافة الاجتماعية السائدة، إضافة إلى ضعف دور الأجهزة الأمنية في فرض الانضباط داخل الجامعات.
ويشير إلى أن هذا الانفلات ينعكس سلباً على مكانة الجامعات وهيبة الأستاذ الجامعي، ما أدى إلى تراجع تصنيف الجامعات السورية عالمياً، وانخفاض مستوى الثقة الدولية بشهاداتها.
ويحذر من أن استمرار هذا الوضع يدفع الكفاءات الأكاديمية إلى الهجرة، مما يخلق عجزاً متزايداً في الكوادر التدريسية، ويضطر الجامعات إلى تكليف أساتذة بتدريس مواد خارج اختصاصهم.
ويصف المصري العنف الجامعي بأنه “هدم منهجي لمستقبل البلاد”، إذ يسرّع في هجرة العقول التي بُنيت على مدى سنوات طويلة من الجهد والتأهيل.
“فساد”
وعقب حادثة استهداف عميد كلية الآداب، عبّر وزير التعليم العالي مروان الحلبي، عن “بالغ أسفه” إزاء الحادثة التي وصفها بـ “المؤلمة”.
وأشار الحلبي خلال بيان نقلته وكالة “سانا” إلى أنه يتابع مجريات التحقيق في هذه “الجريمة بالتنسيق مع الجهات المختصة”، ووعد “باتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة لمحاسبة الفاعلين وعدم السماح (..) بالمساس بحرمة الجامعات أو أمن كوادرها”.
ولم تعلن وزارة الداخلية أو وزارة التعليم العالي أي تفاصيل إضافية حول التحقيقات التي أشارت إليها مع المشتبه بهم بالوقوف وراء محاولة اغتيال عميد كلية الآداب بجامعة دمشق، حتى إعداد هذا التقرير.
من جانبه، يربط الدكتور مجدي الجاموس من كلية الاقتصاد في درعا، تفاقم العنف بتراجع احترام قيمة العلم والمدرس الجامعي. ويشير إلى أن الفساد الذي طال المؤسسات التعليمية خلال العقود الماضية أدى إلى تقويض مكانة الأستاذ وكثرة التجاوزات.
ويضيف لنورث برس، أن تردي الأوضاع الاقتصادية دفع بعض الطلاب إلى الانتساب للأجهزة الأمنية، ما منحهم شعوراً زائفاً بالسلطة وأضعف العلاقة التربوية مع أساتذتهم. كما ساهمت الحالة الأمنية غير المستقرة في انتشار سلوكيات التمرد والتحدي داخل الحرم الجامعي.
ويرى الجاموس أن الحل يبدأ بإعادة الاعتبار للثقافة الجامعية وقيمة المدرس والعلم، داعياً إلى تأسيس منظومة ثقافية جديدة تبرز أهمية التعليم، وفرض عقوبات رادعة على المخالفين، وسن قوانين تجرّم الاعتداءات على الجامعات وكوادرها.
دعوات لإجراءات عاجلة
أما الدكتور عبدالرحمن محمد وهو أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، فيحذر من أن الجامعات السورية تواجه اليوم تهديداً وجودياً، لا يمكن تجاوزه إلا عبر تعاون مشترك بين الحكومة والجامعات والمجتمع المدني. ويشدد على أن حماية الجامعات ليست ترفاً، بل استثماراً في مستقبل سوريا بأكملها.
ويدعو محمد في تصريحات لنورث برس، إلى إنشاء وحدات أمنية متخصصة داخل الحرم الجامعي، تتسم بالحياد والاستقلالية، وتكون مهمتها حماية الكوادر والطلاب دون التدخل في الشؤون الأكاديمية.
كما طالب بإصدار تشريعات واضحة تجرّم أي شكل من أشكال العنف الجامعي، إلى جانب إطلاق حملات توعوية تعزز ثقافة الحوار واحترام الآخر.
ويختتم حديثه بالتأكيد على أن السلاح غير المنضبط والعنف العشوائي يمثلان خطراً كارثياً على التعليم العالي في سوريا، إذ يؤديان إلى هجرة الأساتذة والطلاب المتميزين، وتراجع الثقة بمخرجات التعليم، وعزوف الطلاب الدوليين عن الدراسة في البلاد، ما يفقد الجامعات تنوعها الثقافي والأكاديمي ويقوض رسالتها الأساسية في بناء الإنسان والمجتمع، بحسب قوله.