أفين يوسف – القامشلي
في أحد الأزقة الهادئة في ناحية تربه سبيه (القحطانية) شرق القامشلي، يوجد مبنى بسيط بواجهة لا توحي بما يحدث داخله. من هناك يُبث صوت إذاعي صباحاً ومساءً، يغطي أخبار وقضايا النساء ويصل إلى قرى الجزيرة وحدود سنجار/شنكال ونصيبين التركية. هذا البث هو لإذاعة “ستار أف أم Star FM”، إذاعة أسستها مجموعة نسائية لتكون منصة مخصصة للنساء.
ولادة الإذاعة ومحتواها
عند دخول مقر الإذاعة، يلاحظ الزائر وجود نقاشات جماعية وأنشطة مشتركة بين المذيعات وبقية العاملات في الإذاعة التي تأسست عام 2017 بجهود ثماني نساء بهدف تقديم محتوى نسائي مخصص.
تقول الإعلامية دلال آزاد جميل (29 عاماً): “نعمل على تغطية قضايا النساء في المجتمع”. حالياً تضم الإذاعة ست إعلاميات ومراسلات لتغطية مدن وأرياف محافظة الحسكة.
وقبل اندلاع الاحتجاجات الشعبية في سوريا واجه الإعلام الكردي قيوداً شديدة، حيث كانت اللغة والثقافة الكردية محظورة في الإعلام الرسمي، واضطرت أول صحيفة كردية والتي حملت اسم “كردستان” للصدور خارج البلاد عام 1898. ومع الحراك الشعبي في البلاد أوائل 2011، ظهر إعلام محلي بثلاث لغات: الكردية والعربية والسريانية، وبرزت المرأة الكردية في عدة مجالات سياسية واجتماعية. من هنا جاءت فكرة إذاعة تقودها نساء وتخاطب نساءً.
تعمل الإذاعة يومياً من السابعة صباحاً حتى العاشرة مساءً، وتقدم مزيجاً من البرامج الترفيهية والتوعوية والسياسية، مثل البرنامج الصباحي “Roj Baş” والذي يعني “صباح الخير”، برامج مسابقات للأطفال والكبار، وبرنامج “حدث المرأة” وبرنامج “آفاق المرأة” المبني على مواد مجلات نسائية. كما تُبث برامج للأطفال ونشرات إخبارية، وبرنامج “Gund” للنساء الريفيات.
توضح دلال آزاد جميل: “الواقع الإعلامي في شمال وشرقي سوريا لم يتغير كثيراً بعد سقوط النظام، حيث تعمل المنطقة ضمن إدارة ذاتية تتضمن مؤسسات وهيئات وقوانين لتنظيم العمل الإعلامي”. وتشير إلى أن الإذاعة تهتم بقضايا تهميش المرأة والانتهاكات بحق النساء في مناطق مختلفة.
وتدار الإذاعة من هيئة من ثلاث نساء، ويتم اتخاذ القرارات بشكل جماعي. بعض البرامج تُبنى على اقتراحات المستمعات اللواتي قد يشاركن لاحقاً في التقديم بعد التدريب. الصحفية هيام عبد الله (28 عاماً) تقول: “هناك تفاعل ملحوظ من النساء مع البرامج، يتضح من خلال الاتصالات والمشاركات أثناء البث المباشر”.
تحديات وسط مشهد إعلامي نسوي
واجهت الإذاعة صعوبات مرتبطة بالنظرة المجتمعية لعمل النساء، بالإضافة إلى التشويش من النظام السوري والضربات التركية للمنطقة بين الحين والآخر، ما أدى أحياناً لانقطاع البث. رغم ذلك، توسّع نطاق الإرسال ليشمل مناطق واسعة من الجزيرة ونصيبين التركية وشنكال/سنجار العراقية، مع تركيب أجهزة بث إضافية لتغطية مناطق أخرى في الحسكة والرقة. الإذاعة تتلقى دعماً مالياً من “مؤتمر ستار” ومهنياً من “اتحاد إعلام المرأة”، وتخطط لتوسيع البث مستقبلاً ليشمل العاصمة دمشق أيضاً.
تجربة “ستار أف أم” جزء من مشهد إعلام نسوي متنامٍ في المنطقة. سبقتها وكالة JINHA في تركيا عام 2012، ثم أعيدت باسم NuJINHA عام 2021 بعد إعادة الهيكلة، كما تأسست قناة “JIN TV” عام 2018، ومجلة “آفاق المرأة” عام 2023 التي تُبث عبر Star FM، لتشكل هذه المنصات معاً مساحة إعلامية نسوية مستقلة في سوريا.
ويرىالصحفي هيبار عثمان أن الإعلام النسوي في شمال شرق سوريا يحتاج إلى خطط استراتيجية، وتأهيل فني ومهني، مع التركيز على الصحافة الاستقصائية وصحافة الحلول، لضمان فعالية أكبر. كما يشدد على ضرورة استخدام هذه المنصات لدعم تطبيق القوانين المتعلقة بحقوق النساء.
ومن خلال العمل اليومي، تسعى نساء “ستار أف أم” لتقديم محتوى إعلامي يركز على قضايا النساء في شمال وشرق سوريا، ضمن بيئة تتأثر بالتحولات السياسية والاجتماعية المحيطة، وفقاً للعاملات في الإذاعة.