أول انتخابات بعد سقوط الأسد.. جدل بين “الضرورة الملحة وفقدان الشرعية”

دمشق/ القامشلي – نورث برس

في أول انتخابات تشريعية تُجرى في سوريا بعد سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد، يثير المشهد السياسي والانتخابي الجديد جدلاً واسعاً حول مدى تمثيل العملية للشارع السوري، في ظل استبعاد ثلاث محافظات رئيسية من المشاركة، وتعيين الرئيس السوري أحمد الشرع سبعين عضواً في البرلمان الجديد من دون انتخابات، وسط ملفات أمنية وسياسية ما تزال عالقة.

“ضرورة ملحّة وسط تعقيدات سياسية”

يصف المحلل السياسي السوري توفيق عبدالحميد هذه الانتخابات بأنها “انتخابات الضرورة الملحّة” في هذه المرحلة، موضحاً أنها تهدف إلى استكمال السلطة الجديدة لبعض المرتكزات الشرعية في الداخل، بعد تشكيل أجسام اقتصادية وأمنية وعسكرية جزئية.

ولكنه يشير بنفس الوقت إلى أن العملية محاطة بـ “تعقيدات وعقبات كبيرة”، أهمها إقصاء ثلاث محافظات سورية من العملية الانتخابية، وهو ما يعتبره “خطأ تتحمله الجهة التي أوصت بذلك، سواء كانت لجنة الانتخابات أو غيرها”، موضحاً أن هذه المناطق تختلف في طبيعتها السياسية والأمنية:

ويقول إن شمال شرق سوريا يخضع لإدارة ذاتية مع برنامج سياسي خاص بها، بينما السويداء تشهد مطالب انفصالية يقودها الشيخ حكمت الهجري، والساحل السوري يتمتع بسيطرة قوية من أنصار السلطة، مع غياب تأثير واضح للمعارضين الموصوفين بـ “الفلول” من قبل الحكومة.

ويشدد السياسي السوري على أنه كان الأجدر السماح لهذه المحافظات بالمشاركة، “ما كان سيمنح العملية الانتخابية مصداقية سياسية أوسع، ويتيح لشخصيات محلية طرح رؤاها وبرامجها، ويجعل الانتخابات أكثر تفاعلاً وواقعية”.

التعيين والانتخاب

يتطرق عبدالحميد إلى تعيين الشرع سبعين عضواً من أصل 210، وترك 140 للمنافسة الانتخابية، معتبراً أن هذا التقسيم يعكس طبيعة العملية السياسية الحالية. ويقول إن “هذه الانتخابات لا تقوم على بيئة سياسية ناضجة أو مجتمع سياسي راسخ، فالثقافة السياسية السورية ضعيفة نتيجة تراكمات ستة عقود من الحكم المركزي وغياب الممارسة الديمقراطية”.

أما المحلل السياسي سمير أبو صالح، فيرى أن مجرد إجراء الانتخابات يمثل “خطوة إيجابية بالاتجاه الصحيح”، لكنه يشير إلى أن المقومات الضرورية لإنجاح هكذا عملية غير متوفرة بعد، على مستوى المواطنة والثقافة السياسية.

ويضيف أن “الوضع الداخلي العام ما زال يعاني من صعوبات وأحداث مؤسفة ستترك آثاراً سلبية على العملية الانتخابية”.

ويقول أبو صالح إن “مسألة تعيين السبعين عضواً من قبل الرئاسة تتوافق مع مقررات الحكومة الانتقالية، بغض النظر عن مشروعيتها الدستورية”.

فرض من جانب واحد

من جانبه، يذهب الباحث في مركز الفرات للدراسات وليد جولي، إلى أن ما يجري في دمشق منذ سقوط النظام السابق “يتعارض من حيث المبدأ مع أسس ومبادئ المرحلة الانتقالية”.

ويقول إن المرحلة الراهنة “لم تُبن على قاعدة توافق وطني حقيقي، بل فُرضت من طرف واحد يسعى إلى إعادة إنتاج سلطة شمولية شديدة المركزية، ما يجعلها استمراراً للأزمة لا تجاوزاً لها”.

غير أن ما حدث في سوريا بدأ بحوار وطني شكلي، تلاه إعلان دستوري أحادي، ثم تشكيل حكومة فئوية، وصولاً إلى عملية انتخابية “محسومة سلفاً من حيث بنيتها ونتائجها”، وقفاً للباحث.

“أزمة سياسية”

يرى جولي أن الإشكال الأساسي لا يكمن في إقصاء ثلاث محافظات أو في التعيينات الرئاسية فقط، بل في “انعدام الشرعية المبدئية للمرحلة الانتقالية ذاتها”، ويتساءل: “هل تمر سوريا فعلاً بمرحلة انتقالية، أم أنها ما زالت تعيش أزمة سياسية بنيوية أعمق من ذي قبل؟”.

ويشير إلى أن حتى لو شاركت جميع المحافظات وعدّلت القوانين الانتخابية، “فإن العملية ستبقى فاقدة للشرعية لأنها تنطلق من مبدأ أحادي لا من عقد وطني جامع”، بحسب قوله.

ويخلص جولي إلى أن تجاوز الأزمة لا يتم عبر إصلاح التفاصيل الانتخابية فقط، بل عبر “إعادة تعريف المرحلة الانتقالية كمشروع تأسيسي جديد لسوريا”، يقوم على “عقد وطني شامل، دستور توافقي يضمن الحقوق القومية والسياسية لجميع السوريين، نظام لا مركزي ديمقراطي ينهي مركزية الحكم القديمة ويعيد توزيع السلطة”.

ويشدد على أنه “فقط في ظل هذه الشروط يمكن الحديث عن شرعية حقيقية وانتقال فعلي نحو دولة مستقرة وعادلة وديمقراطية، لا عن إعادة إنتاج للأزمة تحت مسميات جديدة”.

إعداد: عبدالسلام خوجه – تحرير: عكيد مشمش