التحديات الاقتصادية في المجتمعات العشائرية والريفية بسوريا: الحاجة إلى رؤية تنموية مستدامة
عمر عبدالرحمن ـ دير الزور
تمثل المجتمعات العشائرية والريفية في سوريا شريحة واسعة من البلاد، وقد لعبت تاريخياً دوراً محورياً كمصدر رئيسي للغذاء والثروات الطبيعية والزراعية.
ورغم ذلك، تعاني هذه المناطق من تهميش تنموي طويل الأمد، تفاقم بشكل كبير نتيجة النزاع المستمر لسنوات، ما أدى إلى تدمير البنية التحتية وتعطيل سلاسل الإمداد ونزوح ملايين السكان، وهو ما انعكس سلباً على الوضع الاقتصادي والاجتماعي للسكان المحليين.
ويعكس المزارع أحمد العلي من ريف دير الزور الشرقي هذا الواقع قائلاً لنورث برس: “كنا نزرع القطن والقمح على مساحات واسعة، وكانت الأرض تكفينا وتزيد، أما اليوم فالوضع مختلف تماماً”.
ويضيف: “سعر المازوت لتشغيل المضخات خيالي، والبذار والأسمدة أصبحت كالذهب. لا نزرع إلا مساحات صغيرة للبقاء على قيد الحياة، والقطاع العام لم يعد يدعمنا كما في السابق”.
ويشير العلي إلى أن التسويق يمثل تحدياً كبيراً، إذ “يحدد التاجر الوسيط السعر دائماً منخفضاً ولا يغطي حتى التكاليف”.
ولم تقتصر التحديات على الزراعة فقط، بل امتدت لتشمل الخدمات الأساسية، حيث يشير العلي إلى أن المستوصف المحلي يعمل بأدنى الإمكانيات، والدواء نادر وغالٍ، والمدارس مهدمة والكهرباء غائبة منذ سنوات، ما يدفع الشباب للهجرة بحثاً عن فرص أفضل.
من جانبها، تبرز أم أحمد، ناشطة في جمعية نسوية بريف دير الزور الشمالي، العبء الأكبر الذي تتحمله النساء في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، خاصة عندما يغادر الرجال للمدن أو يتعرضون للقتل أو الإصابة.
وتقول لنورث برس إن “المجتمع العشائري المحافظ غالباً ما يحد من فرص عمل المرأة خارج المنزل”، مؤكدة أن “تمكين المرأة اقتصادياً ليس ترفاً، بل استثمار في مستقبل الأسرة كلها”.
وتابعت أن التعليم يعد عنصراً أساسياً لتعزيز فرص النساء في العمل وإدارة مشاريع صغيرة مثل تربية الدواجن، الصناعات الغذائية المنزلية أو الخياطة، إلا أن التسرب المدرسي للفتيات بسبب البعد الجغرافي أو الضغوط الاجتماعية ما زال يمثل تحدياً كبيراً.
ويرى الناشط أحمد الصالح من ريف دير الزور الشرقي أن الحلول يجب أن تنبع من المجتمع المحلي نفسه، قائلاً لنورث برس: “لا يمكن فرض نموذج تنموي من الخارج. نحن نعمل على مفهوم التنمية المجتمعية حيث يشارك الأهالي في تحديد أولوياتهم”.
وأضاف أن هذه الرؤية تركز على الاستدامة البيئية والاقتصادية وتشجيع الزراعة المرنة والاستثمار في الطاقات المتجددة، بالإضافة إلى استثمار مهارات الشباب في مجالات التكنولوجيا والعمل الرقمي، ما يفتح لهم آفاقاً جديدة ويحد من هجرة الكفاءات من الريف.
وأكد الصالح أن المنظمات غير الحكومية تلعب دوراً مهماً في تقديم الدعم الفني والمالي، وتطوير مهارات الشباب وإيجاد فرص عمل لهم، مشدداً على ضرورة تبني رؤية تنموية شاملة تشمل جميع فئات المجتمع وتستفيد من الموارد المحلية.
وبحسب السكان والناشطين، فإن المجتمعات العشائرية والريفية في سوريا تواجه تحديات اقتصادية متعددة تعيق تحقيق التنمية المستدامة. التحسين المستمر للبنية التحتية، تعزيز التعليم وتوفير فرص عمل مناسبة، والتعاون بين الحكومة والمجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، يمثلان عناصر أساسية للوصول إلى رؤية تنموية شاملة تلبي احتياجات جميع أفراد المجتمع وتستثمر طاقاتهم المحلية.