العلاج النفسي بدمشق.. هل يتحول إلى تجارة؟

نورمان العباس ـ دمشق

يشهد مجال الطب والعلاج النفسي في السنوات الأخيرة انتشاراً ملحوظاً لممارسين غير مؤهلين، الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً حول تحوّل المهنة إلى نشاط تجاري غير منظم. وتكشف هذه الظاهرة عن إشكالية خطيرة تتعلق بغياب المعايير المهنية والرقابة الفاعلة، مما يسمح لأشخاص يفتقرون إلى المؤهلات الأكاديمية والعملية بفتح عيادات وتقديم خدمات علاجية.

مسؤولية الوزارات

حمّلت سارة أنيس وزارتي الشؤون الاجتماعية والعمل والصحة مسؤولية ضبط ظاهرة “المعالج النفسي غير المؤهل”.

وشددت في حديثها لنورث برس على أن الوضع الحالي يسمح لأي شخص بحضور دورة تدريبية قصيرة لا تتعدى يومين، ليزعم بعدها أنه أصبح “معالجاً ومرشداً نفسياً”، من دون أي ضمانات أكاديمية أو عملية على كفاءته.

وطالبت أنيس بإصدار قوانين وتشريعات صارمة تضبط هذه الظاهرة، على أن يُشترط كحد أدنى حصول المعالج على شهادة جامعية متخصصة تخوّله العمل في مجال العلاج النفسي، مؤكدة أن غياب هذه المعايير يشكّل خطراً على سلامة المرضى.

أبعاد مجتمعية واقتصادية

أما رنيم معتوق مدرسة في جامعة دمشق، فرأت في تصريحات لنورث برس، أن العوائق المجتمعية والاقتصادية فتحت الباب أمام غير المؤهلين.

وأرجعت انتشار الظاهرة إلى عاملين أساسيين: “ضعف الوعي المجتمعي بأهمية الصحة النفسية” من جهة، و”الوضع المعيشي المتردي” من جهة أخرى.

وأوضحت أن نسبة كبيرة من السوريين غير قادرة على تحمّل تكاليف جلسات العلاج النفسي الرسمية، مما يدفعهم إلى اللجوء لبدائل رخيصة قد يقدمها أشخاص غير متخصصين.

وبيّنت معتوق تفضيلها الشخصي مراجعة معالج نفسي مختص بدلاً من الاكتفاء بطبيب يصف الأدوية فقط.

خطورة الممارسة من غير المختصين

حذّر محمد علي عوض وهو طالب في كلية الهندسة المدنية في جامعة دمشق في تصريحات لنورث برس، من خطورة ممارسة العلاج النفسي من قبل غير المتخصصين، قائلاً: “الطب النفسي من أكثر المجالات الطبية حساسية وخطورة”.

 وأوضح أن غياب الأخصائيين المؤهلين لا يقتصر أثره على عدم تحسّن المريض، بل قد يؤدي إلى “تدهور حالته الصحية”.

من جانبه، أوضح الدكتور حسام شحادة، الأخصائي في الدعم النفسي ومسؤول ملف تراخيص معاهد الرعاية الاجتماعية للأشخاص ذوي الإعاقة والمراكز النفسية الاستشارية في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، أن خريجي كليات التربية وعلم النفس لم يحصلوا سابقاً على الفرصة المناسبة لترخيص مراكز للعلاج السلوكي والدعم النفسي، مما دفع الناس نحو عيادات غير مرخصة.

وأشار شحادة في تصريح لنورث برس، إلى أن هذا الفراغ أتاح المجال لأشخاص يفتقرون إلى الخبرة، ويحملون شهادات من دورات “أونلاين” غير معترف بها من وزارة التعليم العالي، لممارسة العلاج النفسي بشكل غير قانوني، الأمر الذي نتجت عنه أخطاء مهنية جسيمة.

وشدد على أن تقديم الدعم النفسي، خصوصاً للاجئين والناجيات وفي أوقات الكوارث الطبيعية أو المصطنعة، لا يمكن أن يقوم به إلا مختصون مدربون تدريباً عالياً، مشدداً على أن المعالج النفسي لا يملك صلاحية وصف الأدوية.

وكشف شحادة أن مشروع قرار جديد قد رُفع إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وتمت الموافقة عليه، يقضي بترخيص مراكز للدعم والعلاج النفسي لخريجي كليات التربية وعلم النفس.

وأضاف أن اجتماعات عُقدت بين وزارات الصحة والتربية والشؤون الاجتماعية والعمل أفضت إلى صياغة مشروع القرار منذ عام 2023، إلا أن تنفيذه تعطل بسبب تضارب المصالح.

ولفت إلى أن الرقابة على الممارسات غير الشرعية تراجعت بشكل ملحوظ بعد عام 2017 نتيجة ظروف الحرب، مما أتاح المجال لتسلل غير المؤهلين إلى هذه المهنة الحساسة.

وأوضح أن السنوات المقبلة ستشهد تطبيق ضوابط صارمة بحق كل من يمارس المهنة من دون اختصاص.

وبيّن شحادة أن عمل المرشد والداعم النفسي بالغ الحساسية، مؤكداً أن الحاصلين على دورات قصيرة لمدة شهر أو شهرين لا يمتلكون الكفاءة المطلوبة لمزاولة المهنة.

كما أشار إلى تحديد شروط خاصة بالمراكز المرخصة، مثل الموقع والإنارة والتهوية، إضافة إلى المؤهلات الأكاديمية للعاملين فيها والمحظورات المرتبطة بالمهنة.

وختم شحادة بالإشارة إلى أن مشروع القرار سيُبصر النور قريباً، مذكّراً بأن خريجي كليات التربية وعلم النفس كانوا في السابق قادرين على افتتاح مراكز استشارية في دول مثل لبنان ومصر، بينما لم يكن ذلك متاحاً لهم داخل سوريا.

تحرير : معاذ الحمد