البسطات العشوائية في دمشق.. معضلة اقتصادية تبحث عن حلول تنظيمية

نورمان العباس ـ دمشق

لم تمضِ أسابيع على انتهاء حملة محافظة دمشق لإزالة البسطات العشوائية من مناطق حيوية مثل جسر الحرية والبرامكة وجسر الثورة، حتى عادت هذه البسطات إلى الواجهة من جديد. إذ يعكس المشهد اليومي إصرار أصحابها على البقاء، في مقابل إصرار دوريات البلدية على الإزالة، لتبقى النتيجة ما يشبه “حرب استنزاف” بين الطرفين.

وهذه العودة المتكررة لا تُظهر فقط ضعف فاعلية الحملات المؤقتة، بل تبرز أيضاً غياب الحلول التنظيمية طويلة الأمد التي يمكن أن تنصف جميع الأطراف: المواطن الباحث عن لقمة عيش، والجهات المسؤولة عن تنظيم المرافق العامة وصون المشهد الحضري للمدينة.

معاناة ورغبة في الاستقرار

من منطقة البرامكة، يروي أصحاب البسطات قصصهم اليومية مع الملاحقة والخوف.

علاء محمد، صاحب بسطة، في حديث لنورث برس، يقترح حلاً عملياً يقوم على تأجير الدولة أماكن مخصصة لهم، مؤكداً أن هذا التنظيم “أفضل من أن نبقى في حالة هروب دائم من دوريات البلدية”.

أما عبد الله الشطا فيركز على الجانب الإنساني للمشكلة، قائلاً لنورث برس: “أحاول فقط تأمين مصاريف عائلتي، لكن الأماكن التي تريد البلدية تخصيصها لنا بعيدة ونائية، ولا يقصدها أحد للشراء”.

كما يشتكي الشطا من المخالفات المالية الكبيرة التي تُفرض عليهم، والتي يرى أنها تجهز على ما تبقى من دخله المحدود.

دعوات لتنظيم لا إقصاء

من جهته، يؤكد ماهر الأزعط، عضو جمعية حماية المستهلك، في تصريح لنورث برس، أن المشكلة تتجاوز حدود إشغال الأرصفة، فهي ترتبط مباشرة بواقع البطالة وغياب فرص العمل.

ويرى أن “تشريد هؤلاء ليس حلاً”، داعياً إلى إنشاء أسواق شعبية منظمة بأسعار مناسبة تستوعب هذه الفئة، وتخفف من الفوضى في الطرقات. ويشير إلى أن المحافظة وعدت مراراً بتأمين أماكن خاصة لهم، لكن هذه الوعود بقيت من دون تنفيذ.

أما عبد الرزاق حبزة، أمين سر الجمعية، فيضع القضية في إطار اقتصادي أوسع، إذ يعتبر أن البسطات غير المرخصة تمثل “اقتصاد ظل” لا تستفيد منه الدولة، ويحمل في طياته مخاطر تتعلق بغياب الرقابة الصحية، وتجاهل قوانين التسعير، والعشوائية التي قد تؤثر سلباً على السوق النظامية.

كما لفت إلى أن حكومات سابقة طرحت مشروعات لتنظيم الظاهرة، لكنها لم تكتمل أو تُطبق فعلياً.

وعلى الصعيد المقارن، يطرح رامي العواد، وهو سوري عاد من تركيا، نموذجاً مختلفاً، إذ يشير لنورث برس، إلى التجربة التركية التي اعتمدت أكشاكاً منظمة تابعة للبلديات، بحيث يستفيد البائع والمدينة في آن واحد.

ويصف المشهد الحالي في دمشق بـ “الفوضوي وغير الحضاري”، مؤكداً أن التنظيم لا يعني بالضرورة القضاء على هذه المهن، بل تحويلها إلى مورد منظم يعود بالنفع على الجميع.

وفي المقابل، يرى عدنان حنا البهو، مدرس متقاعد، أن القضية ليست طارئة، بل “تجاوزت عمرها 25 عاماً ولم تستطع الحكومات المتعاقبة حلها”.

ويشبه في حديث لنورث برس، العلاقة بين البلدية وأصحاب البسطات بعلاقة “القط والفأر”، حيث يسعى كل طرف لفرض وجوده على حساب الآخر.

ويقترح أن تقوم الدولة بتخصيص مساحات مناسبة وتحويلها إلى أسواق منظمة، مؤكداً وجود أراضٍ يمكن استثمارها في مثل هذه المشاريع.

وتجمع المواقف المختلفة على أن إزالة البسطات دون بديل منظم ليس سوى حل مؤقت يعيد إنتاج المشكلة من جديد. وبينما يتحدث أصحاب البسطات عن معاناة يومية تهدد مصدر رزقهم الوحيد، تنبّه الجهات المختصة إلى مخاطر اقتصادية وصحية وقانونية ترتبط بالفوضى الحالية.

تحرير : معاذ الحمد