ارتفاع جنوني في إيجارات المحلات يؤرق التجار في أهم مركز تجاري بدير الزور
علي البكيع ـ دير الزور
يشهد شارع الوادي، أحد أهم المراكز التجارية الحيوية في مدينة دير الزور شرقي سوريا، أزمة متصاعدة بسبب ارتفاع الإيجارات الشهرية للمحال التجارية إلى مستويات غير مسبوقة، حيث تراوحت بين 5 و10 ملايين ليرة سورية، ووصلت في بعض الحالات إلى 120 مليون ليرة.
هذا الواقع جعل الشارع، الذي كان يوصف سابقاً بـ “شريان التجارة النابض”، ميداناً للجدل والقلق، سواء من جانب التجار أو المستهلكين، الذين يرون أن هذه القفزات في الإيجار تنعكس مباشرة على أسعار السلع المعروضة.
عبء لا يُطاق
التجار يصفون المشهد بأنه “كارثي”، ويقول التاجر محمد محيي الدين جاويش لنورث برس: “الإيجارات غير منطقية، وهي السبب في تضخم أسعار السلع. البضاعة التي تباع بألف ليرة في مكان آخر، نضطر لبيعها بعشرة آلاف هنا فقط لتغطية الإيجار. الوضع لم يعد محتملاً، والتجار عاجزون عن تسيير أعمالهم”.
ويضيف أن غالبية المحلات المجاورة تعيش الظروف نفسها، مشدداً على ضرورة تدخل الدولة ووضع سقف للإيجارات، وإلا فإن عدداً كبيراً من المحلات سيغلق أبوابه قريباً.
من جانبه، كشف التاجر أحمد سليمان عن تجربته المريرة قائلاً لنورث برس: “أُجبرت على ترك محلي السابق بعدما ارتفع إيجاره إلى 12 مليون ليرة شهرياً. اليوم أستأجر محلاً أصغر بخمسة ملايين، وهو ما ساعدني على تخفيض الأسعار نسبياً. لكن العقود قصيرة جداً، ولا تتجاوز ستة أشهر، وهذا يضعنا دائماً في حالة قلق وعدم استقرار”.
تجربة سليمان ليست استثناءً، بل تعكس واقعاً يتكرر مع كثير من التجار الذين أصبحوا يتنقلون بين المحلات بحثاً عن أسعار إيجار أقل، ما يؤدي إلى فوضى في السوق التجارية ويزيد من التكاليف التشغيلية.
تفاوت بين القطاعات
التاجر ياسر عمار لخص المشكلة قائلاً لنورث برس: “الإيجارات وصلت إلى مستويات لا يمكن احتمالها. أصحاب المطاعم ربما يملكون القدرة على دفع 6 ملايين وأكثر، لكن التجار الصغار الذين يبيعون الملابس أو المواد البسيطة لا يستطيعون الصمود. في الحقيقة، الإيجار المناسب لمثل هذه الظروف يجب ألا يتجاوز مليوناً ونصف”.
ويرى كثير من التجار أن هذه التكاليف المرتفعة لا تضر فقط بأصحاب المحلات، بل تزيد من الضغوط المعيشية على المواطنين، الذين يضطرون لدفع أسعار أعلى نتيجة تحميلهم جزءاً كبيراً من كلفة الإيجار.
على الجانب الرسمي، أكد المهندس معاذ الحويش، مدير الشؤون الفنية، أن المديرية تبذل جهوداً لتبسيط الإجراءات وتسهيل عمليات الترميم والإعمار، ويضيف لنورث برس: “لا نفرض أي أعباء إضافية على المواطنين الراغبين بترميم محلاتهم. نمنح الموافقات بشكل مباشر لتقليل التكاليف. كما نتعاون مع المنظمات الدولية مثل الـUNDP، حيث تم تأهيل نحو 40 محلاً في شارع التكايا مؤخراً”.
لكن الحويش عبّر عن قلقه من استغلال هذه التسهيلات بشكل عكسي: “بدلاً من أن تُخفف هذه الإجراءات عن المواطن، نجد أن بعض التجار يستغلونها لرفع الأسعار والإيجارات، ما يزيد العبء على المواطنين. نحن بحاجة إلى خطة مشتركة بين غرفة التجارة والمحافظة لوضع استراتيجية تحد من هذه الارتفاعات”.
ولا يقتصر أثر ارتفاع الإيجارات في شارع الوادي على أصحاب المحلات فقط، بل يمتد إلى: “زيادة أسعار السلع المعروضة بشكل مبالغ فيه. إغلاق محتمل لمحلات صغيرة غير قادرة على تغطية النفقات. تراجع النشاط التجاري في أحد أهم الأسواق الحيوية. ضغط إضافي على المواطنين الذين يواجهون أصلاً صعوبات معيشية متزايدة”.
ويحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار هذه الأزمة قد يؤدي إلى تفريغ الشارع التجاري من تنوعه، بحيث يقتصر على مطاعم ومحلات كبيرة قادرة على دفع الإيجارات الباهظة، بينما يختفي حضور المحلات الصغيرة والمتوسطة.