نورمان العباس ـ دمشق
مع كل خبر أو إشاعة عن خصخصة شركتها، يزداد قلق منار، العاملة في إحدى شركات القطاع العام الصناعي، في دمشق من أن يتحول قرار حكومي إلى تهديد لمصدر رزقها وحقوق زملائها.
تقول منار لنورث برس، إن مخاوفها لا ترتبط بفكرة الخصخصة نفسها، بل بما قد يرافقها من تسريح تعسفي وضياع للحقوق، مشددة على أن أي خطوة في هذا الاتجاه يجب أن تضع مصلحة العمال في المقدمة.
وتشير إلى أن شركتها تعمل حالياً يومين أو ثلاثة في الأسبوع فقط، بسبب تقليص التكاليف التشغيلية وندرة الموارد.
هذا القلق الشخصي يعكس هواجس أوسع يعيشها آلاف العمال في شركات القطاع العام السوري، خصوصاً الإنتاجية منها، التي تراكمت عليها مشكلات مالية وإدارية خلال سنوات طويلة، جعلت كثيراً منها عاجزاً عن تحقيق الجدوى الاقتصادية.
وقد أقرّ وزير المالية السابق، محمد أبازيد، بأن بعض هذه الشركات “كانت موجودة فقط لسرقة الموارد”، ما جعل خصخصتها خياراً مطروحاً بقوة.
أسباب الأزمة
يُجمع خبراء الاقتصاد على أن الأزمة في شركات القطاع العام ترجع إلى عدة عوامل متشابكة.
الدكتور تيسير المصري، أستاذ كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، يوضح لنورث برس، أن هذه الشركات، ولا سيما الإنتاجية، تعاني من نقص السيولة، وسوء الإدارة، واعتماد تقنيات قديمة.
ويضيف أن استبدال أصولها الإنتاجية اليوم قد يتطلب مئات المليارات، بعدما كان يكلف قبل سنوات بضع مئات من الملايين فقط.
ومن جانبه، يؤكد الدكتور عبدالرحمن محمد، نائب عميد كلية الاقتصاد بجامعة حماة، لنورث برس، أن أكثر من 70% من شركات القطاع العام ذات الطابع الاقتصادي تعتبر خاسرة رغم تقديمها خدمات حصرية، مشيراً إلى أن أضرار الحرب، وضعف الإدارة، وقلة التمويل، عمّقت الأزمة مقارنة بالقطاع الخاص الذي حقق فوائض كبيرة في الصناعات التحويلية.
مخاطر الخصخصة
يرى المصري أن من أخطر جوانب الخصخصة عدم وضوح الرؤية الحكومية وغياب الدراسات الكافية، إضافة إلى عدم معرفة القيمة الحقيقية للشركات المطروحة للاستثمار.
ويحذر من أن التركيز على الربح في القطاع الخاص قد يدفع إلى تقليص عدد العمال لتخفيض النفقات، ما يهدد مئات الأسر.
ويتفق معه محمد، موضحاً أن عمليات الخصخصة غالباً ما تترافق مع إعادة هيكلة القوى العاملة أو تسريح جزء منها لرفع الكفاءة وتقليل التكاليف. ويشير إلى أن القلق يزداد في الشركات التي قلّصت أيام العمل أو توقفت تماماً، حيث لا توجد ضمانات واضحة لاستمرار عمالها.
هذا القلق عبّر عنه أيضاً محمد ماجد العجمي، من دمشق، الذي شدد في تصريح لنورث برس، على ضرورة إلزام الدولة القطاع الخاص بضمان حقوق العاملين، مؤكداً أن المشكلة الكبرى تكمن في تسريح العمال حتى قبل الخصخصة، وأنه إذا لم تُضمن حقوقهم فمن الأفضل بقاء الشركات تحت الإدارة الحكومية.
الحلول المقترحة
يقترح المصري أن تكون الخصخصة بصيغة “تخصيص الإدارة” أو “عقود مؤقتة مع مستثمرين” تتضمن شروطاً تمنع تسريح العمال وتحافظ على حقوقهم.
في حين يدعو عبدالرحمن محمد إلى تبني سياسات وطنية واضحة، تشمل تعويضات عادلة، وإعادة التأهيل المهني، وتوفير فرص عمل بديلة. كما يشدد على أهمية إشراك ممثلي العمال في صياغة سياسات التحول لضمان العدالة الاجتماعية، ومنح الأولوية للمستثمرين المحليين للحفاظ على رأس المال داخل البلاد.
ويوافقه في ذلك محمد صادق، من حلب، الذي يطالب بإعادة هيكلة المنشآت الصناعية العامة في مدينته، مؤكداً أنها مصدر رزق لآلاف الأسر محدودة الدخل، وأن تسريح العمال قد يدفعهم إلى الشارع. أما ميكائيل محمد، من دمشق، فيرى أنه إذا تم تنفيذ الخصخصة، فيجب أن تترافق مع رواتب تقاعدية وتعويضات مناسبة للعمال، حتى لا يُتركوا بلا مصدر دخل.
أما ميكائيل محمد من سكان دمشق، فقد رأى أنه في حال خصخصة الشركات، يجب أن يتم تأمين حقوق العمال من خلال رواتب تقاعدية وتعويضات، كي لا يُظلموا أو يُترَكوا في الشارع بين ليلة وضحاها.
وبين واقع الشركات الخاسرة، وحاجة الاقتصاد إلى الكفاءة، ومخاوف العمال من ضياع حقوقهم، يقف ملف خصخصة القطاع العام في سوريا على مفترق طرق حساس. فنجاح أي تحول لن يتوقف فقط على الجوانب الاقتصادية، بل على قدرة الدولة في حماية البعد الاجتماعي، وضمان أن لا تتحول الإصلاحات الاقتصادية إلى أزمة معيشية جديدة تطال مئات الأسر.