أحمد العثمان – نورث برس
لم يعد الحديث عن التطبيع مع إسرائيل من المحرمات في سوريا، حيث تدرك تل أبيب أن انشغال السوريين بأزماتهم الأمنية والمعيشية يجعل رفض التطبيع يتأخر خلف أولويات البقاء اليومي.
وعلى الرغم من الاختلافات العميقة بين السوريين حول مستقبل بلادهم، إلا أن فكرة أن التطبيع لم تعد كما في السابق وباتت تحظى بقبول متزايد، وإن كان ذلك بقبول مرٍّ لا يعكس بالضرورة رغبة حقيقية في سلام دبلوماسي مع دولة لم تعرف الانحياز للسلم في التاريخ السوري.
بينما تتحدث تقارير عن لقاءات بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، بهدف منع تصعيد عسكري، خاصة مع استمرار الضربات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، يرى خبراء أن دمشق لن تبدأ مفاوضات نهائية حول الانضمام إلى “الاتفاقيات الإبراهيمية” دون ضمانات إسرائيلية بالانسحاب من الأراضي المحتلة بعد 2011 ووقف الاعتداءات، مع الإبقاء على الجولان كأرض سورية حتى لو تم استئجارها لإسرائيل.
وفي سياق متصل، أثار اللقاء الذي جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بنظيره الإسرائيلي رون ديرمر في باريس ردود فعل متباينة، بين منتقد للازدواجية في التعامل مع الملف، ومتفائل بإمكانية خفض التصعيد، فيما وصفه الموفد الأميركي توم براك بـ”خطوة نحو الحوار”، رأى آخرون أنها تنازل غير مبرر، خاصة مع استمرار الهجمات الإسرائيلية.
وبينما يرى البعض أن الظروف الاقتصادية والأمنية قد تدفع سوريا نحو تسوية تاريخية، يؤكد آخرون أن إسرائيل لن تمنح سلاماً حقيقياً، بل ستستغل الضعف السوري لفرض شروطها. فهل يكون التطبيع قاب قوسين أم أن التاريخ يعيد نفسه بوجه جديد؟ السوريون منقسمون، لكن القرار قد لا يكون بأيديهم هذه المرة.
حديث مبكر
يقول غسان يوسف، محلل سياسي، إن التطبيع بين دمشق وتل أبيب لا يزال من المبكر الحديث عنه، في ظل تباعد الفجوة بين الطرفين، رغم الاجتماعات السرية المعلن عنها وتلك التي لم يُعلن عنها، فالمسؤولون الإسرائيليون كانوا يصرحون في السابق أنهم يدعمون السلام فيما عارضوه بعد ذلك خاصة بعد أحداث السويداء.
ويضيف في تصريحات لنورث برس، أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب دعا الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع لاتفاقات إبراهام، في حين أن دمشق لا زالت تتحفظ على الأمر وتحاول التوصل إلى اتفاق أمني خاصة بعد رفع إسرائيل لسقف مفاوضاتها وتوغلها في الأراضي السورية.
ويوضح أن التوغلات الإسرائيلي في الأراضي السورية لا سيما جبل الشيخ من أكثر العوائق التي تعيق تقدم المحادثات بين دمشق وتل أبيب، حيث تبحث الحكومة السورية في ظل مناخ دولي داعم للمفاوضات لا سيما من الولايات المتحدة والسعودية، عن خروج إسرائيل من الأراضي السورية والعودة لاتفاقية 1974 التي أنهت تل أبيب العمل بها منذ الأيام الأولى لسقوط نظام الأسد.
ويشدد يوسف على أن الحكومة السورية والوفد المفاوض يجب أن يكون هدفه استعادة الأراضي والمطالبة بالجولان السوري المحتل. “إلا أن ذلك يصطدم برغبة إسرائيل احتلال المزيد من الأراضي السورية وإبقاء سوريا ضعيفة لتكون جبهتها هادئة وتضمن بذلك عدم مقاومة في حال رغبتها بالمزيد من التوسّع”.
ويرى أن إسرائيل لن تتخلى عن الجولان الذي باتت تعتبره من أراضيها، وبالعودة في التاريخ إلى عام 1994 كان هناك مفاوضات أقرتها بها إسرائيل إنها ستنسحب من الجولان وتوقع اتفاق سلام مع حافظ الأسد عبر ما يسمى وثيقة رابين، الذي قُتل حينها في سابقة من نوعها كأول سياسي إسرائيلي يُقتل على يد إسرائيلي آخر لتعطيل الانسحاب من الجولان.
“إسرائيل تبحث عن المزيد”
يرى أشرف عكة، محلل سياسي، أن المفاوضات بين دمشق وتل أبيب تتجه لتطبيع العلاقات، رغم أن الحكومة السورية تحاول في الوقت الحالي إجراء اتفاق أمني، لكن الإسرائيليين والأميركان يبحثون ويسعون لتوقيع اتفاق سلام وتطبيع العلاقة مع سوريا.
ويضيف أن الحكومة السورية تحاول العودة إلى اتفاقية فض الاشتباك الموقعة في عام 1974 وانسحاب إسرائيل من جنوبي البلاد وضمان عدم توغلها، لكن إسرائيل تقوم في الوقت الحالي بالتدخل في الشؤون السورية عبر ما تسميه محاولة إبعاد “الإرهابيين” من الجيش السوري، ما يضع المفاوضات في مأزق، في ظل نية حقيقية من جانب واشنطن وتل أبيب بالسيطرة على الموقف السوري ودون أن ردود على التدخلات الإسرائيلية وتوغلاتها.
ويشير إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل تبحثان عن اعتراف من الحكومة السورية بالتخلي عن المطالبة بالجولان السوري المحتل، لذا دعمت واشنطن دمشق في مجال رفع العقوبات وأبدت خطوات جدية في هذا الإطار مقابل عدم المطالبة بالجولان وإحراز تقدم في مجال مفاوضات التطبيع بين دمشق وتل أبيب.
ويقول عكة إن “الرؤية الأميركية الإسرائيلية تتعارض مع موقف الشعب السوري الذي يبحث عن جميع حقوقه وأراضيه لا سيما الجولان والانسحاب من جنوبي سوريا، كما يجب ألا يتعارض الموقف الرسمي السوري واتجاهه في المفاوضات مع المبادرة العربية التي تربط السلام مع إسرائيل بإعطاء الفلسطينيين حقوقهم، وأي موقف آخر من دمشق سيعرضها لانتقادات”.
ويشير إلى أن واشنطن وتل أبيب تسعيان إلى استغلال ضعف سوريا لإجبارها على توقيع اتفاق سلام لكن الأمر لن ينجح، في ظل وجود تركيا، ثم إن نجاح أي اتفاق يقاس بالقضية الفلسطينية. مضيفاً أن “إسرائيل ترى بأنها حققت شيئاً في سوريا وتحاول أن تجعلها تحت وصايتها”.