صالح سليم – حلب
في مدينة حلب، بات غياب ثقافة القيادة الآمنة والمسؤولة أزمة كبيرة تهدد أرواح آلاف المواطنين يومياً، وتستنزف مقدرات المجتمع بشكل متزايد، حيث تشهد الطرقات عشرات الحوادث المروعة التي تتسبب في خسائر بشرية ومادية فادحة.
وهذه المعضلة ليست مجرد مشكلة فنية في مهارة التحكم بالمركبة، بل هي انعكاس لخلل أخلاقي وسلوكي عميق في التعامل مع القيادة، التي يجب أن تُنظر إليها كالتزام أخلاقي واجتماعي يحمي حياة الجميع.
قيادة بلا وعي
ويقول الخبير المحلف بحوادث السير أحمد بانا، في تصريحات لنورث برس: “ما نشهده من فوضى على طرقات حلب لا يعكس سوى غياب الوعي الكامل بأهمية القيادة الآمنة”.
ويضيف: “السرعة الجنونية، والتجاوزات الخطرة، وعدم احترام إشارات المرور، بالإضافة إلى السلوكيات التي تتحدى القانون بشكل صارخ، تجعل الطرق تبدو وكأنها ساحات سباق لا تخضع لأي رقابة أو ضوابط”.
ويشير إلى أنه “عند وقوع الحوادث، يهرب كثير من السائقين من تحمل المسؤولية، مما يعكس فقداناً حقيقياً للقيم الأخلاقية واحترام دماء الأبرياء. هذا التهرب من المسؤولية لا يعكس فقط ضعف الانضباط، بل يعكس أزمة في الضمير المجتمعي بأسره”.
ويضيف بانا أن “التجاوزات من الجهة اليمنى، وتجاهل حقوق المشاة، وغياب الانضباط المروري، كلها علامات على ثقافة قيادة مريضة، حيث بات البعض يعتبر القيادة مجرد استعراض عضلات وتحدٍ للقانون، غير مدركين أن القيادة مسؤولية ثقيلة وأمانة في أعناقهم”.
هذا السلوك الخطير، بحسب بانا، “لا يراعي حرمة الطريق ولا يحترم حق حياة الآخرين، ما يؤدي إلى تصاعد مستمر في الحوادث المرورية الخطيرة”.
وتتفاقم الأزمة بسبب ضعف الرقابة المرورية، وعدم تطبيق القانون بحزم. حيث يعتقد العديد من السائقين أنهم فوق المساءلة، وأن بإمكانهم مخالفة القانون دون خوف من العقاب، مما يشجع على المزيد من الانتهاكات، بحسب الخبير بحوادث السير.
ويضيف: “وجود دوريات مرورية فعالة وتطبيق صارم للقوانين يمثلان ركيزة أساسية للحد من هذه الظاهرة، وضمان حماية أرواح الناس على طرق المدينة”.
ثقافة مرورية
من جانب آخر، يشير مجد سرميني، وهو من سكان حلب، إلى أن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب الانضباط وعدم احترام حقوق الآخرين، وهو ما يستدعي وقفة جادة لوضع حلول جذرية.
ويضيف في حديث لنورث برس: “بالإضافة إلى الحوادث، تؤدي السلوكيات الخاطئة على الطرق إلى انتشار الضوضاء المزعجة الناتجة عن استخدام مكبرات الصوت والزمامير بشكل مفرط، إضافة إلى التلوث البيئي الناجم عن انبعاثات المركبات. هذه العوامل مجتمعة تؤثر سلباً على جودة الحياة في المدينة وتزيد من المعاناة اليومية للسكان”.
ويؤكد سرميني أن “ضعف التوعية المرورية يمثل أحد أهم أسباب استمرار هذه الأزمة، حيث إن الجهود الفردية والمبادرات المتقطعة التي تبذل في مجال التوعية لا تغطي جميع فئات المجتمع، ولا تصل إلى عمق المشكلة. هذا النقص في الوعي يؤدي إلى سلوكيات متهورة تضع حياة الناس في خطر مستمر، مما يستوجب تطوير برامج توعية شاملة ومستمرة”.
ويذهب سرميني إلى أن الحل الجذري يبدأ من “التعليم المروري، من خلال تطوير مناهج تدريبية شاملة تلبي المعايير العالمية، بحيث يخضع كل راغب في الحصول على رخصة قيادة لبرامج تعليمية تتضمن الجوانب النظرية والعملية، مع التركيز على احترام قواعد المرور وحقوق الآخرين”.
ويضيف: “كذلك يجب أن يرتبط ذلك بتفعيل دور القانون بشكل صارم، من خلال فرض عقوبات رادعة مثل حجز المركبات، وتكثيف الدوريات المرورية في كل أحياء المدينة، بما فيها الشوارع الفرعية. وجود شرطة مرور قوية وفعالة قادرة على فرض الانضباط هو مفتاح النجاح في معركة الحد من الحوادث”.
تطبيق القانون
يقول رئيس قسم عمليات المرور النقيب محمد درويش لنورث برس، إن إطلاق حملة مكثفة لمكافحة المخالفات المرورية في مدينة حلب. وان السلامة والأهمية القصوى لسلامة السكان، وعدم التهاون في تطبيق القانون على جميع المخالفين.
وشهدت عمليات ضبط المخالفات المرورية ارتفاعًا ملحوظًا، حيث بلغ عدد الضبوط 2338 ضبط لمخالفات عديدة تتراوح المخالفات بحسب نوعها بين 15 الى 20 دولار أميركي، وحجز أكثر من 2238 مركبة مختلفة الأنواع، وتراوحت مدة الحجز بين ثلاثة أيام وثلاثين يوما، وذلك لتكرار المخالفات.
ويقول محمد محمود حمود وهو مسؤول المراقبين ضمن مديرية النقل بحلب: “سواء كانت خاصة أو تجربة أو عامة، والتعامل مع المخالفات التي يتم رصدها. تشمل هذه المخالفات تجاوزات متنوعة، بدءاً من المخالفات البسيطة التي تستدعي التنبيه، وصولاً إلى المخالفات الجسيمة التي تستوجب حجز المركبة واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة”.
ويضيف “حمود” لنورث برس: “على السائقين الالتزام بالخطوط المحددة لهم، حيث يتم التعامل بحزم مع حالات تغيير الخطوط بشكل غير قانوني. يتم في البداية تنبيه السائق المخالف، وفي حال تكرار المخالفة يتم حجز المركبة”.
ويتابع: “بالنسبة للمركبات الخاصة، فإن المخالفات الشائعة تتضمن القيادة المتهورة أو التسبب في إزعاج الآخرين. يتم التعامل مع هذه المخالفات بشكل تدريجي، حيث يتم تنبيه السائق في البداية، وفي حال تكرار المخالفة يتم حجز المركبة”.
وذكر من المخالفات الخطيرة التي يتم التعامل معها بحزم قيادة الأطفال للمركبات، حيث يتم ضبط العديد من الحالات لأطفال تتراوح أعمارهم بين العاشرة والرابعة عشرة يقودون المركبات بشكل متهور. هذا الأمر يشكل خطراً كبيراً على حياة الأطفال وعلى سلامة الآخرين.