عبارات الفرات: صراع الحياة بين ضفتي النهر
عمر عبد الرحمن – دير الزور
في قلب الجغرافيا السورية الملتهبة، حيث تختلط مياه الفرات العتيق بدماء الصراع وآمال البسطاء، تتشكل جسور غير مرئية من المعاناة اليومية.
في محافظة دير الزور، لم يعد النهر مجرد شريان حياة، بل أصبح فاصلًا مؤلمًا بين واقعين سياسيين وعسكريين متصارعين، وعلى ضفته الشمالية تسيطر قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من التحالف الدولي، بينما تسيطر الحكومة السورية على الضفة الجنوبية.
وعلى هذا الخط الرفيع، تتحرك حياة الآلاف من المدنيين عبر الزوارق الصغيرة المعروفة محلياً بالعبارات، في رحلة يومية محفوفة بالمخاطر بحثًا عن لقمة العيش أو دواء أو مستقبل.
تقسيم جغرافي وانعكاسات إنسانية
هذا التقسيم العسكري الخشن فصل العائلات، وعزل المزارعين عن أراضيهم، وقطع الطلاب عن مدارسهم، مما اضطر الناس لاختراق هذا الحاجز المائي بحثاً عن الاستمرار في الحياة. وهكذا برزت ظاهرة العبارات كوسيلة ضرورية في ظل انقطاع الخدمات الأساسية بين الضفتين.
ويقول أبو أحمد، 40 عامًا، من ريف دير الزور الشرقي، لنورث برس: “أرضي وبساتيني تقع في منطقة تسيطر عليها الحكومة السورية. حياتي كلها مرتبطة بتلك الأرض. كل صباح أدفع ما يعادل ربع دخلي اليومي لعبور منطقة الصالحية إذا كانت مفتوحة. وإذا أغلقت، فلا خيار لي سوى التهريب عبر قارب صغير في الظلام أو عند الفجر. مرة قبضت علينا دورية حكومية وقضيت أسبوعًا في السجن بتهمة التعاون مع قسد، لمجرد أنني جئت من الضفة الأخرى”.
ويضيف: “نحن مدنيون ومرضى خلق دير الزور. نحن منطقة واحدة وأهل، وجميعنا مرتبطون بالدم والأخوة. لا علاقة لنا بالنزاعات السياسية والعسكرية. نريد فقط أن نعيش بسلام ونطالب بإعادة تأهيل الجسور لنتمكن من العبور بأمان، دون خوف أو تردد، في أي وقت، لكي نتمكن من قضاء أعمالنا وعيش حياتنا الريفية البسيطة”.
أما أم نور الدين، 55 عامًا، فتنتظر عبوراً غير رسمي قرب ضفة النهر لعلاج أحد أطفالها. تجلس في كوخ صغير، ويبدو على وجهها آثار القلق بينما تمسك وصفة طبية بالية لحاجتها اليومية من دواء من المشفى الحكومي في الضفة الأخرى.
وتقول لنورث برس: “كل صباح أستيقظ قبل الفجر وأصلي ألا تُغلق العبارات. أحمل الوصفة الطبية والقليل من الخبز الجاف، وأكثر من نصف راتبي يذهب لعبور غير آمن للنهر، لأن الجانبين اتهما صاحب القارب بالتجسس. الماء يبتلعنا والخوف يقتلنا، لكنني مضطرة للحصول على دواء ابني الذي لا يوجد إلا في المشفى الحكومي”.
وتضيف: “ذات يوم أغلق المعبر الرسمي فجأة. انتظرت لساعات تحت الشمس حتى ذاب الحجر، ثم اضطررت للعبور على قارب متهالك. وعندما وصلنا، رفض عناصر الأمن المتواجدون على الضفة دخول القارب لأسباب لا أعرفها. بكيت حتى أغمي عليّ. الحياة هنا باتت لعنة”.
شريان حياة وصمت المسؤولين
يقول إبراهيم الصالح، ناشط محلي من دير الزور، لنورث برس: “في ظل غياب الجسور التي تربط ضفتي الفرات، ورغم كثرة المناشدات التي لم تجد صدى، تعتبر العبارات في المعابر شريان حياة ومؤشراً للاستقرار”.
ويضيف: “الإغلاق المتكرر للمعابر جريمة ضد الإنسانية بكل المعايير. المرضى يموتون لأنهم لا يستطيعون الوصول إلى المستشفيات في الضفة الأخرى، والأطفال يُحرمون من التعليم، والعائلات تُقطع أوصالها. نسمع الاتفاقيات لتنظيم العملية، لكنها تنهار عند أول عاصفة سياسية أو عسكرية”.
ويشدد على أن “الأطراف المتحكمة تستخدم المعابر كأداة ضغط وبطاقة مساومة. هناك حاجة ماسة إلى ضغط دولي لجعل هذه المعابر ممرات آمنة ودائمة، بعيداً عن الصراعات السياسية والعسكرية”.
وفي الوقت ذاته يضيف الصالح: “نوجه معاناتنا إلى الجهات المسؤولة لإعادة بناء الجسور وجعلها جاهزة لخدمة السكان وحمايتهم من الاستغلال الاقتصادي الذي يمارسه أصحاب العبارات”.
من المسؤول؟
من جهته، يقول مسؤول محلي في الحكومة السورية، رافضاً الإفصاح عن اسمه: “الأمر معقد جداً. أحياناً يأتي قرار الإغلاق من دمشق بسبب تهديد أمني، وأحياناً من قسد بحجة منع تهريب السلاح. وحتى عندما يُفتح المعبر، يكون التنسيق بين الطرفين شبه معدوم. نحن ندفع ثمن صراع القوى الكبرى على هذه الأرض”.
ويضيف: “من جهتنا نحاول توفير عبور إنساني للحالات الطارئة، لكننا مقيدون. بعض العائلات تقطع علاقاتها بسبب النهر؛ إذ لا يستطيع الابن في الضفة الشرقية حضور جنازة والده في الضفة الغربية. المشكلة أن الثقة منعدمة، وكل ورقة نمنحها يُشك فيها، وكل تصريح يُستخدم كورقة ضغط سياسي”.