منازلهم مدمرة..  نازحون بريف تل تمر يواجهون شتاتاً طويل الأمد

سامر ياسين – تل تمر

في غرفة صغيرة مهترئة في قرية تل نصري، بريف تل تمر، تقيم فاطمة الأحمد وأبناءها بعد أن دُمّر منزلها بالكامل نتيجة قصف القوات التركية والفصائل الموالية لها أواخر عام 2019.

ومنذ ست سنوات، أجبرت “الأحمد” على مغادرة قريتها أم الكيف شمالي تل تمر بريف الحسكة الشمالي، نتيجة القصف، لتتحول مع عائلتها إلى نازحين يعيشون في ظروف لا تليق بالحياة، دون دعم، أو دخل، أو أمل بعودة قريبة.

ست سنوات من النزوح دون أفق للعودة

تقطن فاطمة الأحمد وعشرات العائلات في ريف تل تمر على وقع النزوح القسري منذ أواخر عام 2019، حين تصاعدت الهجمات التركية والفصائل الموالية لها على مناطق واسعة من ريفي تل تمر وزركان (أبو راسين) شمال الحسكة بعد سيطرتها على منطقة سري كانيه/ رأس العين شمال شرقي سوريا.

وتقول “الأحمد”، التي تقيم اليوم في غرفة صغيرة مع عائلتها، لنورث برس، إنها لم تتمكن حتى الآن من زيارة منزلها بعد تدميره بالكامل، مضيفة بلهجتها المحلية: “الجميع يقول لي عودي إلى قريتك، ولكن كيف أعود؟ بيتي صار ركام، تعب عمر كامل راح بلحظة، خلال ربع ساعة كل شيء صار على الأرض”.

تصف بيتها بأنه كان قطعة من قلبها، وهي تخفي دموعها بصمت، وتقول: “لم يكن مجرد جدران منزل بل مثل أحد أولادي”، وتضيف: “أبكي على تعب سنين وعائلة كاملة، أنا غير قادرة على بناء منزلي، الأسعار باهظة جداً، ولا أستطيع بناء حتى غرفة واحدة.. ولو عدت للقرية، سأبني خيمة على الركام”.

وكانت قرى أم الكيف، الكنيهر، والقاسمية من أبرز المناطق التي تعرضت للقصف، لكونها تقع على خطوط التماس المباشر بين القوات المهاجمة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد).

وأدت تلك الهجمات إلى تهجير سكان نحو 40 قرية، غالبيتهم لجأوا إلى قرى قريبة دون إمكانيات لاستيعابهم، في ظل دمار شبه كامل للبنى التحتية، وغياب الخدمات الأساسية، وتعطّل أي مساعٍ جدية لإعادة الإعمار أو تأمين عودة آمنة للمدنيين رغم وجود هدنة غير معلنة واتفاقات غير رسمية لوقف إطلاق النار بين “قسد” من جهة والقوات التركية والفصائل الموالية لها من جهة أخرى.

ويشير سكان تلك القرى أن الغالبية العظمى من قراهم غير صالحة للسكن، نتيجة التدمير الجزئي أو الكلي، إضافةً لغياب الخدمات وارتفاع تكلفة إعادة الإعمار، مما يجعلهم عاجزين عن العودة إلى قراهم الأصلية وبقائهم في قرى أخرى بصفة “نازحين”.

بيوت تحت الركام وظروف صعبة بمناطق النزوح

يقول نعيم الكنيهر، نازح من قرية الكنيهر شمالي تل تمر، ويقيم هو الآخر في قرية تل نصري منذ أكثر من خمس سنوات، بعد أن دمّر منزله بشكل كامل، “لو عدت لن أجد من بيتي سوى الركام، لا أبواب ولا نوافذ ولا عفش حتى، حتى بلاط المنزل ذهب دون عودة”.

ويضيف: “إذا عدت، سأفرش خيمة على ركام بيتي وأجلس فيها، وسأبدأ بترميم وبناء منزلي أول بأول كل فترة، لكن هذا الشيء صعب جداً دون وجود دعم لنا”.

ويشير “الكنيهر” إلى أنه بنى منزله بيديه بعد سنوات من العمل كعامل وفلاح، ويضيف بلهجته العامية “كنت أشتغل بالأرض ليل ونهار لحتى عمرت بيتي، بس طلعنا من بيوتنا قسراً لأننا ما فينا نعيش تحت رحمة الاحتلال”.

فيما تقول غالية الحسينو، نازحة من أم الكيف، لنورث برس، إنها تعيش حالياً في غرفة كانت تُستخدم سابقاً كمربى للأبقار في قرية تل نصري.

وتضيف: “كنا نعيش حياة جيدة قبل الحرب، نملك أرضاً نزرعها ونعيش منها، لكن القصف دمّر كل شيء وبتنا نعيش حياة لا تطاق”.

وتتذكر “الحسينو” لحظة مغادرتهم للقرية قائلة “كنا بالقرية عندما سمعنا أن القصف سيبدأ بعد قليل، وهربنا إلى تل تمر، وبعد دقائق بدأ القصف وتدّمر المنزل بالأكمل”.

وتقول بحزن: “أصعب شعور أن ترى منزلك مدّمر أمام عينك وأنت عاجز أن تفعل أدنى شيء لتعيده أو تراه كما كان سابقاً”

ورغم رغبتها بالعودة، إلا أنها تقول إن زوجها يرفض الأمر في ظل غياب اتفاق حقيقي بين الأطراف المتصارعة، مشيرة إلى أنه إذا لم يتم إعلان هدنة حقيقية وتحسن الوضع الأمني هناك “فلن نعود إلى ذلك الخوف مجدداً، ولكننا حتماً سنعود حتى لو سكننا في خيمة على أرضنا فنحن عائدون”.

وتعيش مئات العائلات من هذه القرى في مناطق مجاورة أو قرى مضيفة، أغلبها غير مؤهلة لاستقبال هذا العدد الكبير، وسط غياب أي دعم حقيقي من المنظمات أو الجهات الرسمية منذ أكثر من 6 سنوات.

ورغم مضي أكثر من ست سنوات على التهجير، لم يتمكن أغلب سكان تلك القرى حتى من زيارة منازلهم المدمرة، ويقول نازحون إن العودة حلم العودة إلى قراهم يبتعد أكثر مع كل عام يمر ولا تبدو ممكنة في ظل تدهور الأوضاع الأمنية، وارتفاع تكلفة إعادة الإعمار، إلى جانب غياب أي برامج دعم من الجهات المعنية أو المنظمات الدولية.

تحرير: خلف معو