سكان في ريف دير الزور يبنون أول محطة أهلية لمياه الشرب

حسام شاهين – دير الزور

قرّروا وبدأوا البناء… هكذا بدأت حكاية سكان قرية الزغير شامية في ريف دير الزور الغربي، الذين اختاروا أخيرًا أن يضعوا حدًّا لسيل المعاناة، ويصنعوا لأنفسهم وأطفالهم حياة نظيفة، بعد سنوات عجاف شربوا خلالها من نهرٍ تحوّل إلى مرتع للتلوث ومصدر للأمراض.

ولأكثر من عقد كامل، عاشت القرية في عزلة وتهميش تام، بعد أن توقفت محطات ضخ المياه الحكومية عن العمل، وغابت الجهات المسؤولة عن أداء واجباتها. اضطر الأهالي حينها للاعتماد على مياه نهر الفرات مباشرة، دون أي عمليات تصفية أو تعقيم. ومع مرور الوقت، لم يعد العطش هو المشكلة الأساسية، بل صار الماء ذاته خطرًا يهدد حياتهم في ظل غياب أي بدائل آمنة.

وتفاقمت المأساة الصحية مع انتشار أمراض مزمنة بين السكان، أبرزها أمراض الكلى والتهابات الجهاز الهضمي، والمشكلات الجلدية لدى الأطفال، إضافة إلى أمراض الكبد والمسالك البولية. كانت المعاناة تتسلل بصمت إلى كل بيت، فيما ظلّ الأفق مسدودًا أمام أي حلول رسمية، ليتأرجح السكان يوميًا بين خيارين مرّين: الموت عطشًا أو المرض بمياه ملوثة.

ويروي جاسم خليفة الحسين (40 عامًا)، أحد أبناء القرية، لنورث برس، هذه المأساة بكلمات حارقة: “لم يكن لدينا خيار آخر، لم نشرب الماء لأنه نقي، بل لأننا مضطرون. أصبح المرضى كُثر بسبب الماء، ولم يسأل عنّا أحد. قررنا أخيرًا أن نحلّ مشكلتنا بأنفسنا، فقد تعبنا من الانتظار”.

ومن هنا، وُلدت الفكرة: بناء محطة أهلية لتصفية مياه الشرب بتمويل ذاتي كامل، عبر جمع التبرعات من أبناء القرية ووجهاء المنطقة والمغتربين في الخارج. وتشرف على المشروع فنيًا مؤسسة المياه في دير الزور، فيما تكفّل الأهالي بتغطية التكاليف، حيث بلغت تكلفة إنشاء المرقد (هيكل إسمنتي لترسيب المياه) وحده نحو مليار ليرة سورية، ولا يزال العمل جارياً على إتمام باقي مراحل المشروع دون تحديد سقف مالي نهائي حتى الآن.

وفي بادرة تضامن لافتة، تبرع أحد أبناء القرية بالأرض التي تُقام عليها المحطة، فيما قدّم آخر جزءًا من أرضه لفتح طريق يخدم المشروع، ما سهّل عملية نقل مواد البناء وضَمِن سهولة الوصول للموقع مستقبلاً.

ويُعد المشروع الأول من نوعه في المنطقة بتمويل أهلي كامل، ومن المتوقع أن يغذي نحو 1500 منزل، أي ما يقارب سبعة آلاف نسمة، لينهي بذلك معاناة طويلة عاشها السكان مع المياه الملوثة.

ويقول عبد الكريم محمد الشعيبي، من سكان قرية الخريطة المجاورة، إن المنطقة كانت تعتمد سابقاً على محطة مياه الشميطية، إلا أن قدرتها التشغيلية لم تكن تكفي لتلبية احتياجات القرى الواقعة ضمن نطاقها، ما دفع السكان للاعتماد على مياه نهر الفرات أو شراء المياه من الصهاريج بأسعار مرتفعة، في مشهد يتكرر في معظم مناطق ريف دير الزور الغربي.

ويأمل الأهالي أن تلهم مبادرتهم باقي القرى في المنطقة، وأن تتحول هذه الجهود الفردية إلى حراك مجتمعي واسع لتحسين البنية التحتية والخدمات الأساسية، حتى لا تبقى حياة الناس رهينة لأزمات متكررة.

تحرير: معاذ الحمد