تركيا وسوريا ما بعد 2024: صعود النفوذ أم فخ التعقيدات الإقليمية؟

القامشلي – نورث برس

برزت تركيا كلاعب محوري في سوريا بعد سقوط نظام الأسد وصعود أحمد الشرع، مستفيدة من دعمها الطويل للمعارضة وتدخلها العسكري المباشر بين 2016 و2019. ومع تغير السلطة، وسّعت أنقرة نفوذها ليشمل السياسي والاقتصادي، وأعادت العلاقات مع الحكومة الجديدة سريعاً، فافتتحت سفاراتها وزارها الرئيس الانتقالي مرتين خلال ثلاثة أشهر، مما عزز حضورها كلاعب رئيسي في مستقبل سوريا.

ورغم توسع النفوذ التركي شمال سوريا عبر المجالس المحلية والدعم الخدمي، تواجه أنقرة تحديات أمنية وديموغرافية، أبرزها ملف الأكراد و”قسد”، وتأمين حدودها. كما تحاول الموازنة في علاقاتها مع واشنطن وموسكو وطهران، وتفادي التصعيد مع إسرائيل، في ظل سعيها لترسيخ دورها وضمان مصالحها دون الانجرار لصراعات أوسع.

أحلام تركيا

يقول خورشيد دلّي، خبير في الشأن التركي، لنورث برس، إن تركيا اعتبرت سقوط الأسد فرصة لفرض نفوذها في سوريا، لكن بعد أشهر تبيّن محدودية دورها بسبب أزمتها الاقتصادية، ورفض إقليمي ودولي لمشروعها، خصوصاً من إسرائيل والدول العربية الكبرى كالسعودية ومصر، نتيجة دعم أنقرة للإسلام السياسي، ما جعل هذه الدول تحتضن دمشق وتحدّ من النفوذ التركي.

كما أن تعارض الأجندة التركية مع الأميركية، الفرنسية، والروسية، خصوصاً حول “قسد” والسلام مع إسرائيل ودور إيران، زاد من عزلة تركيا. ويؤكد دلّي أن الضغط التركي على دمشق لإفشال اتفاقها مع قسد يقوّض العملية السياسية، بينما تتحول معركة الحكم اللامركزي إلى ساحة تنافس دولي وإقليمي حاد في سوريا.

تحديات إقليمية

يرى مصطفى النعيمي باحث ومحلل سياسي، في تصريحات لنورث برس، أن المتغيرات السورية بعد سقوط الأسد أعادت تشكيل التحالفات، حيث ظهرت تفاهمات غير معلنة بين تركيا وإسرائيل رغم التوترات، وسط قلق إسرائيلي من تمدد أنقرة جنوباً. أوروبا بدورها تنظر إلى تركيا كشريك أساسي في احتواء اللاجئين ودعم الإغاثة، وترى فيها جسراً للتعاون مع الحكومة السورية الجديدة، خاصة في مشاريع إعادة الإعمار.

خليجياً، وبحسب النعيمي، تزايدت فرص التعاون التركي-العربي، خصوصاً مع السعودية وقطر، لدعم الاستقرار الاقتصادي وفتح مسارات تجارية. أما واشنطن، فرغم دعمها السابق لقسد الذي أثار توتراً مع أنقرة، بدأت بالتقارب مع تركيا بعد التغيرات الأخيرة، وقد ترى فيها شريكاً رئيسياً لحل الملفات العالقة في سوريا.

في الصف الأول.. دور لم يتراجع

ويتابع النعيمي بالقول إنه على الرغم من تعدد اللاعبين الدوليين على الساحة السورية إلا أن دور تركيا في سوريا قد تراجع نسبيا بل يمكن وصفه بأنه تغير وتكيف مع المعطيات الجديدة على الأرض، بناء على الوقائع التي فرضتها الانتقال من الثورة إلى الدولة، بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، برزت تركيا كلاعب رئيسي وأساسي في المرحلة الانتقالية بسوريا، بل ويمكن القول إن نفوذها قد تعاظم بشكل كبير.

ويلفت إلى أنه لم يعد الدور التركي مقتصراً على دعم المعارضة، بل أصبح لها وجود عسكري مباشر في شمال غرب سوريا، ومناطق نفوذ واسعة تسيطر عليها فصائل سورية مدعومة منها، كما أنها تسعى لتقوية الشراكة مع الحكومة السورية الجديدة في دمشق، وتعمل على تدريب الجيش السوري الجديد وتقديم الدعم العسكري له، وتشير بعض التقارير إلى إمكانية توقيع اتفاقية دفاع مشترك بين تركيا وسوريا.

ويشدد على أن دور تركيا في سوريا لم يتراجع، بل على العكس، أصبح أكثر بروزاً وتأثيراً بعد سقوط نظام الأسد، ومع ذلك فإن طبيعة هذا الدور قد تغير من مستوى الدعم المطلق للمعارضة إلى لاعب محوري يسعى لإرساء دعائم “سوريا الجديدة” بما يخدم الصالح المشتركة من وجهة النظر التركية،

ويضيف: “على الرغم من وجود لاعبين متعددين إلا أن تركيا أظهرت قدرة فائقة على التكيف وإدارة التعقيدات، مستفيدة من موقعها الجغرافي وقوتها العسكرية والدبلوماسية، يبقى التحدي الحقيقي لتركيا في المرحلة المقبلة هو كيفية تحقيق التوازن بين مصالحها الأمنية والاقتصادية، وبناء شراكات مستدامة مع الحكومة السورية الجديدة والفاعلين الإقليميين والدوليين، مع الحفاظ على وحدة الأراضي السورية واستقرارها”. ويؤكد على أن تركيا لم تعد في الصف الثاني، بل أصبحت لاعباً رئيسياً ومهندسًا رئيسيًا للمرحلة الجديدة في سوريا، خاصة بعد سقوط نظام الأسد. هذا الدور المتزايد سيكون له تأثير حاسم على شمال شرق سوريا، حيث من المتوقع أن تشهد المنطقة تحولات جذرية نحو الاندماج مع الإدارة السورية الجديدة، وربما تراجع كبير في نفوذ القوى التي كانت تسيطر عليها في السابق

إعداد وتحرير : احمد عثمان