جفاف الآبار يدفع مزارعين في اللاذقية للتخلي عن أراضيهم

صفاء سليمان – اللاذقية

مع بداية فصل الصيف، مطلع شهر حزيران/ يونيو الفائت، بدأت تداعيات أزمة حادة تضرب القطاع الزراعي في ريف الساحل السوري، غربي البلاد، تمثّلت في جفاف معظم الآبار، نتيجة عوامل متعددة أهمها قلة الأمطار، والحفر العشوائي، إضافة إلى نقص في ضخ مياه نبع السن من قبل الجهات المسؤولة، وفق مزارعين محليين.

هذه الأزمة لم تؤثر فقط على الزراعة، بل امتدت إلى تربية الثروة الحيوانية وحتى على مياه الشرب، مما أجبر المزارعين على شراء مياه الصهاريج بأسعار تتراوح بين 100 و150 ألف ليرة سورية، وهو ما يفوق قدرتهم المالية في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

محاصيل يابسة

يقول علي زينة، مزارع في قرية السباهي بريف جبلة، لنورث برس، إنهم باتوا عاجزين عن تأمين مياه السقاية لمحاصيلهم، مشيراَ إلى أن الخضار التي يزرعها تحتاج إلى ري كل ثلاثة أو أربعة أيام.

ويضيف أن غياب المياه أجبره على الاعتماد على صهاريج باهظة الثمن، بسعر 150 ألف ليرة للصهريج الواحد، وهو مبلغ لا يمكن تحمّله في ظل تدني الدخل.

ويشير “زينة” إلى أن محاصيل البطاطا والموز والتبغ باتت يابسة نتيجة العطش، لافتاً أن جميع المزارعين في القرية تركوا خضارهم، “لأن تكلفة شراء المياه تفوق بكثير ما يمكن أن تحققه الزراعة من عائد”.

ويقول بأسى: “نحن نعمل دون إنتاج، والخضار يابسة، والآبار قد جفت، ولم نعد نملك وسيلة للبقاء في هذا العمل”.

وباتت هذه الأزمة تمثل تهديداً وجودياً للمزارعين الذين اضطروا إلى اقتلاع محاصيلهم وتوديع مواسمهم الزراعية، في ظل غياب حلول عاجلة وفعالة من الجهات المعنية.

قطف قبل الأوان

يتكرر الألم ذاته في حديث المزارع منهل زينة، وهو أيضاً من قرية السباهي، حيث يقول لنورث برس، إن جفاف الآبار جعله يضطر إلى قطف المواسم قبل نضجها، مما يقلل من جودة الإنتاج ويضرب العوائد الاقتصادية.

ويضيف أن قلة الأمطار وعدم ضخ مياه نبع السن في القرى، إلى جانب قدوم الصيف، فاقم من حدة الجفاف.

ويشير المزارع إلى أن هذا الوضع دفع كثيرين إلى التوقف عن الزراعة بشكل كامل، بعدما أصبح الاستمرار فيها “مغامرة خاسرة”، بلا ماء ولا دعم.

فيما يقول محمد صبح، أو كما يُعرف بين أهل قريته بـ “أبو إبراهيم”، إن جميع الآبار قد جفّت، ولم يبقَ أمامهم سوى خيار واحد: “شراء مياه الصهاريج”.

ويضيف أبو إبراهيم لنورث برس، أن هذا الخيار ليس في متناول الجميع، فهو لا يملك القدرة على دفع تكاليفها ونتيجة لذلك، تلفت محاصيله من “بندورة وفليفلة وباذنجان والموز وحتى النهر جف”، على حد قوله.

ويشير إلى أن تكلفة تعميق البئر الواحد أصبحت باهظة، حيث يكلف حفر متر واحد من البئر بين 200 و 300 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ لا يمكن توفيره في ظل معاناة الناس من تأمين قوت يومهم.

ويقول: “أنا لدي أربعة أولاد بالكاد أطعمهم، فمن أين لي بحفر بئر؟”.

الآفات تفتك بالمزروعات

في قرية عين شقاق، يعيش المزارع عباس صبح كارثة مضاعفة، ويقول إنه “مع جفاف الآبار والأنهار، لم تعد هناك نقطة ماء يمكن الاعتماد عليها في الزراعة”.

ويضيف “صبح” لنورث برس، أنه قام بحفر بئر جديد، لكنه فوجئ بعدم وجود أي مياه فيه، ما أجبره على اقتلاع محصول الخيار بعد أن أصابته “دودة القرع”.

ويشير إلى أنه كما فشلت زراعة البندورة في النمو بسبب الجفاف، مضيفاً بأسى: “كل شيء عندي يابس، الفاصولياء والبندورة اقتلعناها، ولا توجد لدينا إمكانية لشراء المياه، خاصة مع انخفاض أسعار الخضار بشكل حاد”.

حدود دنيا للمياه

فيما يشير المهندس محمود القدار، مدير الموارد المائية في اللاذقية، إلى خطورة الوضع الحالي، معتبراً أن هذا العام هو عام استثنائي نتيجة انخفاض الهطول المطري بشكل غير مسبوق، ما انعكس مباشرة على الحصاد المائي الذي بقي في حدوده الدنيا.

ويقول “القدار” لنورث برس، إن السدود التي تشرف عليها مديرية الموارد، وعددها 14 سداً بحجم تخزين يبلغ نحو 366 مليون متر مكعب”.

ويضيف، “بدأنا خلال الموسم الجاري بتخزين 40 بالمائة فقط من سعتها التصميمية، وهي نسبة منخفضة جداً، على حد قوله.

ويشير مسؤول الموارد المائية إلى أن مدينة جبلة تعتمد في تزويدها بالمياه على مصدرين هما السدود ونبع السن، والأخير مصدر هام “لكنه يضخ بمعدل 5 متر مكعب في الثانية فقط، وهو بالكاد يكفي لمياه الشرب، خصوصاً أنه يزود محافظات اللاذقية وطرطوس وبانياس أيضاً”.

وفيما يخص خدمة الري، يبين “القدار” أن هناك مجموعات ري تعمل على تنظيم توزيع المياه، مشيراً إلى أنه تم إيقاف مجموعة الري التي كانت تعمل على نبع السن، وتم التعويض عنها بربط الشبكة بشبكات سد الحويز لخدمة نحو 3,000 هكتار.

ويضيف: “مع ذلك، فإن المياه تُقدّم بمقنن مائي منخفض ومدروس، يركز فقط على إنقاذ الأشجار المثمرة، إذ لا يمكن توفير كميات كافية لري كافة المزروعات.”

ويشير مسؤول الموارد إلى أن المقنن المائي المُعتمد يتراوح بين 0.5 إلى 0.6 لتر لكل هكتار في الثانية، وهو الحد الأدنى المطلوب للحفاظ على الحياة النباتية دون نمو مثالي.

أما الآبار الموجودة في محافظة اللاذقية، يقول “القدار” إنها “ليست جوفية عميقة ولا يتجاوز عمقها 50 متراً، بل تُعد مياه سطحية متجمعة لا ترقى لمستوى المياه الجوفية الاستراتيجية، وهو ما جعلها عرضة للجفاف مع أول انخفاض في الأمطار”.

ويرى مزارعون أنه في ظل هذا الواقع المأساوي، لا يمثل جفاف الآبار فقط أزمة زراعية آنية، بل يهدد الأمن الغذائي والاستقرار المعيشي في مناطق واسعة من الساحل السوري، ما يستدعي تحركًا عاجلًا من الجهات المسؤولة، لوضع خطط مستدامة لإدارة الموارد المائية، وتقديم دعم مباشر للمزارعين، قبل أن تتحول الأراضي الزراعية إلى أراضٍ بور، ويضيع معها مصدر رزق آلاف الأسر.

تحرير: خلف معو