نورمان العباس – دمشق
على أرصفة تقابل المشافي في العاصمة دمشق، يفترش عشرات المرضى وأهاليهم الأرض، بعدما عجزوا عن دفع تكاليف السرير أو جرعة دواء.
جاؤوا من محافظات بعيدة بحثاً عن بصيص أمل في العلاج، ليُفاجأوا بأن المستشفيات الخاصة حكر على القادرين، بينما تعاني المستشفيات الحكومية من نقص حاد في الأدوية والمعدات. وبين هذا وذاك، يُهدر حق المواطن في أبسط حقوقه الرعاية الصحية.
العلاج المجاني.. بات من الماضي
تحولت معظم الخدمات التي كانت تُقدَّم سابقاً في المستشفيات الحكومية مجاناً أو بأسعار رمزية إلى خدمات مأجورة، وذلك في وقت يشهد فيه دخل المواطن تراجعاً حاداً مقابل الارتفاع المتواصل في الأسعار.
ولا تقتصر المعاناة على كلفة العلاج فقط، بل يُجبر المرضى أيضاً على إجراء التحاليل والفحوص الطبية في مراكز خاصة خارج المشفى، بسبب عدم توافرها داخله.
تكلفة ليلة واحدة: من 3 إلى 10 ملايين ليرة
محمد علي، أحد المرضى القادمين من دير الزور، الذي روى لنورث برس، تنقله بين مشفى خاص وآخر حكومي، بعد أن وصلت تكلفة الليلة الواحدة في المشافي الخاصة إلى ما بين 3 و10 ملايين ليرة سورية.
ويشير إلى أن تكلفة الحاضنة لطفل سليم تبلغ نحو مليون ليرة يومياً، فيما ترتفع أكثر إذا كان الطفل يعاني من مشكلات صحية.
واضطر علي إلى نقل طفله إلى مشفى الأطفال في دمشق، ليفاجأ بطابور طويل من المرضى ينتظرون إجراء العمليات، موضحاً أن العشرات يبيتون في الشوارع بسبب غلاء العلاج والضغط الشديد على المستشفيات الحكومية. وأكد وجود نحو 50 طفلاً على قوائم الانتظار.
ويحمل علي وزارة الصحة، مسؤولية إنشاء مستشفيات في مختلف المحافظات لتخفيف العبء عن دمشق والمناطق المركزية.
700 ألف ليرة لـ 8 ساعات في الحاضنة
علي كنوف، والد طفلة أخرى، وضعها في حاضنة بأحد المشافي الخاصة في دير الزور لمدة 8 ساعات فقط، بتكلفة بلغت 700 ألف ليرة. يوضح لنورث برس، أن الأسعار في القطاع الخاص “مرتفعة جداً”، سواء بالنسبة للأدوية أو للمستلزمات الطبية، ما دفعه إلى التوجه نحو مستشفى حكومي رغم افتقاره إلى بعض الخدمات، مثل “إيكو القلب”، الذي كلفه تصويره خارجه 150 ألف ليرة.
ويؤكد كنوف أنه بات من شبه المستحيل على أي مواطن من الطبقة المتوسطة دخول مستشفى خاص.
نورية تعيمر تحدثت لنورث برس، عن معاناتها في تأمين مبلغ 800 ألف ليرة لإجراء صورة رنين مغناطيسي وتخطيط لطفلها، واضطرت إلى البحث عن جمعية خيرية تتكفل بتغطية التكاليف.
89 شكوى.. 78 منها مالية
من جانبه، يصرح الدكتور بشار كناني، مدير المنشآت الصحية في وزارة الصحة، لنورث برس، بأن الوزارة تلقت 89 شكوى، بينها 78 شكوى تتعلق بمخالفات مالية، والباقي بأخطاء أو إهمال طبي.
ويؤكد كناني أنه جرى معالجة جميع الشكاوى المالية، وإعادة المبالغ لأصحابها، بينما لا تزال الشكاوى الطبية قيد التحقيق.
ويوضح أن تسعيرة المشافي الخاصة تُحدد بناءً على أسعار السوق، من حيث تكاليف المستلزمات الطبية والجراحية والتشغيل، مشيراً إلى أن الوزارة تعمل حالياً على تعديل هذه التسعيرة لتحقيق التوازن بين جودة الخدمة، وتكلفتها، ومستوى دخل السكان.
ويضيف أن ارتفاع أسعار الخدمات في القطاع الخاص مرتبط أيضاً بتراجع القدرة الشرائية للمواطن، داعياً المرضى من ذوي الدخل المحدود إلى التوجه نحو مستشفيات وزارة الصحة، حيث يتم التعامل مع أي تجاوز أو مخالفة فور تقديم الشكوى.
ويلفت كناني إلى أن تفاوت الأسعار بين المشافي الخاصة يعود إلى تصنيفها (ممتازة، أولى، ثانية)، إضافة إلى شهرة الطبيب وخبرته، وكذلك جودة المواد الطبية المستخدمة.
النقص مستمر رغم التحسن
وعن النقص في المستشفيات الحكومية، يشير كناني إلى أن الوضع شهد تحسناً نسبياً مقارنة بالفترات السابقة، بعد تعاون الوزارة مع منظمات دولية لتأمين الاحتياجات الأساسية.
كما أصبحت مديريات الصحة قادرة على تغطية بعض الاحتياجات من موازناتها، رغم استمرار فقدان بعض الأدوية النوعية بسبب ارتفاع أسعارها عالمياً، بحسب كناني.
ويؤكد أن الوزارة تعمل على ترتيب الأولويات وتوفير ما يمكن من الخدمات الطبية بحسب الحاجة، مبيناً أن نسبة النقص التي كانت تصل سابقاً إلى 100% بدأت بالانخفاض تدريجياً.
وأفادت مصادر طبية خاصة لنورث برس، فضلت عدم الكشف عن هويتها، أن بعض المستشفيات الخاصة تفرض “أسعاراً خيالية” على المرضى، مشيرة إلى أن مواطناً اضطر للتوجه إلى مشفى حكومي بعد أن طُلب منه مبلغ كبير مقابل عملية جراحية مع إقامة قصيرة.
وأضافت المصادر أن هناك تفاوتاً كبيراً في الأسعار بين المشافي الخاصة، حيث يتم أحياناً التفاوض على الأسعار بشكل مباشر مع الطبيب، وليس عبر إدارة المستشفى.