المياوم في سوريا: عملٌ بلا ضمانات وحياةٌ تحت ضغط دائم

أحمد كنعان – دمشق

يعاني المياوم في سوريا، وهو العامل الذي يعمل بأجرٍ يومي، من ظروف عمل قاسية، حيث تتجاوز ساعات العمل أحياناً 12 ساعة. كما يتقاضى أجراً زهيداً لا يتناسب مع متطلبات الحياة من جهة، ولا مع الجهد والوقت الذي يبذله من جهة أخرى. يُحرم المياوم من العطلة الأسبوعية المأجورة، ولا تشملُه القوانين الناظمة لسوق العمل، مثل التأمينات الاجتماعية، والضمان الصحي، والتعويضات الأخرى.

ويختصر أهالي دمشق وصف حال المياوم بقولهم: “خدمته بلقمته”، أو “إذا ما اشتغل ما أكل”.

قلق دائم

يقول عامر العبد، من أهالي دمشق، لـ “نورث برس”: “أعمل باليومية في مجال النجارة، فإذا عملتُ استطعت تأمين طعامي، وإذا لم أعمل، أبقى دون طعام. ودائمًا ما أشعر بالقلق والخوف. أتمنى أن تتحسن أوضاع غير الموظفين في الأيام القادمة. فحالياً، إن عملنا نأكل، وإن لم نعمل، لا نأكل”.

أما حلا الباشا، وهي أم لطفل واحد وتعيش في دمشق، فتقول لنورث برس: “أعمل في مشغل خياطة، وأحتاج إلى وسيلتي نقل للوصول إلى عملي، ما يكلّفني جزءاً كبيراً من أجري اليومي. وعندما أحتاج إلى يوم عطلة، لا يكون مأجوراً”.

وتضيف: “إذا مرضت، لا توجد إجازة مرضية، ناهيك عن تكلفة الطبيب الباهظة. بمعنى آخر، هذا العمل لا يجدي نفعاً، (مثل قلّته). أعيش في حالة قلق دائمة، وأتمنى من الحكومة تحسين شروط العمل في القطاع الخاص”.

رب العمل أيضاً غير راضٍ

من جانبه، يرى بسام سعدة، وهو متعهد ديكورات ودهانات، أن عمّال ورشته يعانون باستمرار من غياب التأمينات والضمان الصحي. ويقول لنورث برس: “لا يوجد لدى عمالي ما يضمن لهم الغد. فإذا لم يعملوا اليوم، لن يجدوا ما يأكلونه”.

ويضيف: “من جهتنا، مهما أعطيناهم أجوراً، لن نرضيهم، ولن نكون نحن راضين أيضاً، لأن سوق العمل في سوريا أصبح صعباً للغاية. نحن ندفع لهم أكثر مما نستطيع، ومع ذلك لا يكفيهم سوى للضروريات”.

ويختم سعدة حديثه متمنياً أن تتحسن الأوضاع، وأن يتوفّر لهذا النوع من العمل تأمينات اجتماعية وضمان صحي يحفظ حقوق الجميع.

قضية مسكوت عنها

يؤكد المحامي باسل مانع، أن قضية المياومين تُعد من أكثر القضايا المسكوت عنها، رغم أنها تمسّ شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما في ظل التدهور الاقتصادي الراهن.

ويقول لنورث برس: “قانون العمل السوري رقم 17 لعام 2010 لا ينصف هؤلاء فعليًا، إذ يشترط وجود عقد عمل مكتوب وواضح بين العامل وصاحب العمل كي يتمكن العامل من نيل حقوقه، مثل التأمين، والتعويض، والإجازات. ولكن لأن العامل المياوم غالباً ما يعمل بشكل غير نظامي وبلا عقد، فهو يُعتبر خارج مظلة الحماية القانوني”.

ويضيف مانع أن الإشكالية الأساسية تكمن في أن المياوم يُصنّف كعامل غير رسمي أو “عامل بالقطعة”، وبالتالي لا يشمله قانون التأمينات الاجتماعية، ولا يحصل على ضمان صحي، أو إجازة مأجورة، أو حتى تعويض في حال الإصابة، ما يجعله عرضة دائمة للاستغلال وسوء المعاملة.

إمكانية تثبيت الحقوق… ولكن

يشير مانع إلى أن بعض الحقوق يمكن تثبيتها قضائياً في حال استطاع العامل إثبات وجود علاقة عمل دائمة أو شبه دائمة، عبر الشهود، أو الرسائل، أو التحويلات المالية.

ويضيف: “عندها يمكنه المطالبة بتعويض نهاية خدمة، أو فرق أجور، أو تعويض عن صرف تعسفي. لكنها معركة قانونية مكلفة ومعقّدة، يصعب على كثير من المياومين خوضها، خوفاً من خسارة مصدر رزقهم، أو لعدم قدرتهم على تحمّل التكاليف القانونية”.

ويرى مانع أن هناك حلولاً ممكنة لهذه المشكلة، من بينها: “إصدار تشريعات خاصة، أو تعديل قانون العمل لإلزام أصحاب العمل بتنظيم عقود حتى مع العمال الموسميين والمياومين، وإدخالهم في نظام الحماية الاجتماعية. ويجب أن يرافق ذلك ضغط من قبل النقابات والهيئات المدنية على الحكومة لتنظيم سوق العمل غير الرسمي”.

ويختم مانع حديثه بالتأكيد على أهمية نشر التوعية القانونية بين العمال وأرباب العمل على حد سواء، لضمان الحد الأدنى من الحقوق والمسؤوليات.

اضطرابات نفسية قد تؤدي إلى الإدمان

تقول الدكتورة نور محمد، المختصة بعلم النفس، لنورث برس: “المياومون شريحة كانت موجودة منذ عهد النظام السابق، وللأسف زاد عددهم بعد الانهيار الاقتصادي. منهم المتعلم وغير المتعلم، ويضطر بعض المتعلمين للعمل بالمياومة للحصول على أجر أفضل من الوظائف، بل يجمع بعضهم بين الوظيفة والعمل بالمياومة بعد الظهر لتلبية متطلباتهم”.

وتضيف محمد أن هناك آثاراً نفسية كبيرة إلى جانب الإرهاق الجسدي: “يعاني المياومون من اضطرابات نفسية وقلق قد يؤدي إلى الإدمان، رغم محدودية الدخل، حيث تنتشر أنواع رخيصة من المواد مثل ‘شمّ لاصق الشعلة’. ويؤثر ذلك سلباً على الأسرة، وتزداد حدة الاضطرابات لدى المتعلمين الذين يشعرون بخيبة أمل بعد سنوات من الدراسة”.

وتشير إلى أن هذه الظواهر تؤثر على المجتمع بأكمله: “أساس المجتمع هو الفرد، فإذا كان غير مستقر نفسيًا، فإن ذلك يؤدي إلى اتساع دائرة الخلل الاجتماعي”.

وكانت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل في الحكومة السورية، هند قبوات، قد أكدت في حديث لـ”بودكاست دفين” أن الوزارة تعمل على صياغة قانون عمل جديد يُلبي تطلعات الاستثمار ويراعي المعايير الدولية المعتمدة في دول مثل السعودية وقطر.
ولفتت قبوات إلى أهمية تجهيز مسودة القانون لعرضها على البرلمان فور انعقاده.

تحرير: معاذ الحمد