علي البكيع – دير الزور
في مدينةٍ تحمل جراح الحرب على جدرانها، وتختزن بين أزقتها صمتاً ثقيلاً من الدمار، ينهض الفن كأحد أشكال المقاومة لليأس، وبين أنقاض دير الزور، شرقي سوريا، يلمع اسم الحرفي السبعيني ماهر جدعان، الذي يُعد اليوم آخر من تبقى في مدينته يمارس فن الزخرفة وإعادة تدوير الأدوات المنزلية، حارسًا لذاكرة المدينة الجمالية وماضيها الفني.
رغم عمره الذي قارب السبعين، لا يزال “جدعان” يُمسك بأدواته بثبات، ويُعيد الحياة لأشياء ظنها البعض انتهت، هو ليس مجرد حرفي بل شاهد على زمن كامل من التحولات، ورحّالة فني عبر القارات، قرر أن يختم رحلته في المكان الذي بدأ منه كل شيء.
من الهواية إلى الحرفة.. رحلة عبر الحدود
بدأ شغف ماهر جدعان (68 عاماً) بالفنون مبكرًا، كما يروي لنورث برس، قائلاً: “الفنون والديكورات والزخرفة كانت عالمي منذ الصغر”، لكن الحرفة لم تزهر إلا بعد مغادرته البلاد.
ويضيف أنه بعد إنهاء خدمته العسكرية، بدأ مسيرته المهنية في السعودية، حيث عمل لعقدٍ من الزمن في تصميم الموديلات الديكورية والمنتجات التجارية، قبل أن يواصل رحلته إلى المغرب، وفيها بلغت موهبته نضجها، على حد وصفه.

ويشير إلى أنه افتتح شركة متخصصة في الأعمال الفنية والديكور، وبدأ يدمج بين الذوق المغربي والمحلي، قائلاً: “عندما تدمج بينهما، تحصل على منتج مختلف وجميل، له شخصية خاصة”.
ورغم النجاح الذي حققه خارج بلاده، كان الحنين أقوى، فعاد إلى سوريا ليبدأ من جديد، مضيفاً: “عدت بفضل الله، وبدأت أمارس عملي في دير الزور، ليس بنفس الإمكانيات، ولكن يكفيني أنني أُقدم شيئًا لأهلي ومدينتي”.
إعادة تدوير وإنتاج تحف فنية جديدة
تُشكل إعادة التدوير جوهر عمل ماهر اليوم، إذ يقوم بترميم وتجديد أدوات منزلية قديمة وتحويلها إلى تحف فنية، قائلاَ: “يعطونني صينية قديمة، فيها صدأ أو خدوش، فأجددها وأحولها إلى قطعة ديكور حديثة”.
ويبين “جدعان” أنه لا يقتصر عمله على الصواني، بل يمتد إلى “تزيين الكؤوس، فناجين القهوة، الفازات، الكراسي، وحتى أحواض السمك”.
ويشير إلى أنه يعمل بيديه على كل قطعة، يعيد ترتيب تفاصيلها، وكأنه يعيد ترتيب ما بعثرته الحرب في الذاكرة الجمعية لأبناء المدينة.
ورغم القيمة الجمالية لما يقدمه، يقول “جدعان”، إن الظروف الاقتصادية والاجتماعية في دير الزور تقف حائلًا دون رواج كبير لأعماله، مضيفاً أن “أغلب السكان مستأجرون، ولا يشترون لوحات أو ديكورات لأنها ليست أولويتهم”.
غياب الدعم المؤسسي للفنانين المحليين
يوجه الفنان الحرفي ماهر جدعان، نقدًا لغياب الدعم المؤسسي للفنانين المحليين: قائلاً: “لا يوجد تشجيع، لو قسمت المنظمات تمويلاتها على مشاريع صغيرة، لأمكن لعدد أكبر من الناس أن يبدأوا مشاريعهم”.
لكن، وعلى الرغم من التحديات، يصر “جدعان” على أن يوجّه رسالته إلى الجيل الجديد من الفنانين: “لا تخافوا، أظهروا موهبتكم، اتعبوا على أنفسكم، وجربوا مرة واثنتين وثلاثة، الصبر هو مفتاح النجاح، حتى إن لم يلق عملكم الإعجاب في البداية، لا تتراجعوا”.
ويضيف بأسى أن العمل الفني في دير الزور لا يُقدّر كما في الخارج: “في الخليج أو المغرب، يُقيّمون العمل وتعبك، هنا، ينظرون للسعر قبل أن ينظروا للقيمة، لكن، لا يزال هناك من يُقدّر ويُشجع”.
ماهر جدعان ليس مجرد فنان أو حرفي عادي، بل ذاكرة حية لمدينة ما زالت تبحث عن ذاتها وسط الركام، بصبره وأدواته، يعيد تشكيل ما يمكن إنقاذه من الجمال، وفي زوايا ورشته الصغيرة، لا تنبعث رائحة الطلاء فحسب، بل رائحة الماضي، ووميض الحلم، وبقايا مدينة تُقاوم النسيان.
وتُبرز قصة جدعان إصرار الفن على البقاء والازدهار حتى في أصعب الظروف، وتُشكل دعوة لتقدير الإبداع المحلي ودعمه ليعيد لدير الزور وهجها الفني والتراثي.
