“عداء مكتوم وتفاهمات صامتة”.. مستقبل العلاقة بين دمشق وتل أبيب
مالين محمد – غرفة الأخبار
لم تتردد إسرائيل، التي دأب مسؤولون فيها على القول إن “الدروز خط أحمر”، في تنفيذ تهديداتها ضد سوريا. فخلال الاشتباكات التي شهدتها محافظة السويداء منتصف الشهر الجاري، شنت إسرائيل غارات استهدفت مواقع عسكرية، امتدت إحداها إلى وسط العاصمة دمشق، في خطوة يصفها محللون بأنها تجسد تحول تل أبيب إلى ممارسة ما يصفونه بـ “الفيتو الميداني” في الجنوب السوري.
اشتباكات دامية واتفاق مثير للجدل
اندلعت معارك عنيفة بين فصائل درزية محلية من جهة، ومسلحو عشائر وعناصر من الجيش السوري وقوات الأمن الداخلي من جهة أخرى، ما أدى إلى مقتل وإصابة المئات من الجانبين، وفق مصادر رسمية وأخرى محلية. وأفضت هذه المواجهات إلى اتفاق في السويداء رعته واشنطن وأنقرة، وسط مؤشرات على موافقة ضمنية من إسرائيل.
نفوذ إسرائيلي متبدل
يقول الدبلوماسي السوري السابق بشار الحاج علي، الذي عمل في السفارة السورية بالكويت، إن “النفوذ الإسرائيلي بعد اتفاق السويداء لم يعد ظرفياً أو محدوداً، بل أصبح جزءاً بنيوياً من معادلة الجنوب السوري”.
ويضيف في حديثه لـ “نورث برس”، أن إسرائيل “لم تعد بحاجة إلى احتلال أراضٍ جديدة، بل إلى فرض خطوط حمراء أمنية على الأرض السورية، تُحترم من الجميع، بما في ذلك الحكومة في دمشق”.
ويرى أن الاتفاق الأخير ما كان ليُمرر “دون ضوء أخضر إسرائيلي”، إذ فرضت تل أبيب – عبر واشنطن – شروطاً أمنية تمنع تمركز فصائل مدعومة من إيران أو حزب الله، وتحدد نطاق تحركات الجيش السوري في المحافظة.
سيطرة من دون أعلام
وبشأن ما إذا كانت إسرائيل تسعى إلى توسيع سيطرتها الجغرافية، يوضح الحاج أن “السيطرة اليوم ليست احتلالاً مباشراً، بل هندسة أمنية للجنوب السوري بأدوات غير إسرائيلية”.
ويضيف: “منطقة منزوعة السلاح لم تعد مجرد تسريب صحفي، بل واقع مفروض على الأرض، سحب الأسلحة الثقيلة من الفصائل المحلية، ضبط انتشار القوات الأمنية، والإبقاء على إدارة محلية شبه مدنية تحت إشراف دولي غير معلن”.
ويتابع: “إسرائيل لا تحتاج إلى دخول السويداء أو درعا أو القنيطرة. يكفيها ضمان أن لا أحد آخر يملأ الفراغ ضد مصالحها. هذه سيطرة بلا أعلام، لكنها أكثر تأثيراً من الاحتلال نفسه”.
أقرأ أيضاً:
- الجيش الإسرائيلي يستهدف مقر الأركان العامة في دمشق
- استمرار الاشتباكات في السويداء
- إسرائيل تهدد بمواصلة قصف القوات السورية في السويداء
- الرئاسة السورية تعلن وقف شامل لإطلاق النار في جميع المناطق
- هدوء حذر في السويداء وخروج أول دفعة من العالقين في المدينة
- الحكومة تجلي نحو 400 شخص من العالقين في السويداء
“عداء مكتوم وتفاهمات صامتة”
من جانبه، يرى المحلل السياسي عمار جلو، أن دمشق “لم تعد تملك خيارات لمواجهة رغبة إسرائيل في جنوب سوري منزوع السلاح، بعد فشلها في معالجة أزمة السويداء عسكرياً وسياسياً”، بحسب قوله.
ويقول جلو إن العلاقة بين دمشق وتل أبيب “ستظل عدائية، لكنها عداء مكتوم، وقدد تتقدم نحو تفاهمات أو حتى اتفاقات أمنية في المستقبل، في ظل سعي دمشق إلى إرضاء واشنطن، وتلاقي ذلك مع المصالح الإسرائيلية، ولا سيما في ملف الجولان”.
أما الحاج علي فيعتقد أن العلاقة دخلت طوراً جديداً منذ سقوط النظام السابق في كانون الأول/ ديسمبر 2024، موضحاً: “لا يوجد اعتراف دبلوماسي أو قنوات علنية، لكن هناك تفاهمات أمنية صامتة تمر عبر الأميركيين والأردنيين والأتراك”.
ويضيف أن الأولوية بالنسبة للقيادة السورية الحالية هي “تثبيت الاستقرار الداخلي، ما يعني تأجيل ملف الجولان عملياً”، في حين ترى إسرائيل أن “الهدوء على الجبهة مكسب كافٍ، فهي ليست بحاجة إلى معاهدة سلام ما دامت دمشق الجديدة لا تضع الجولان على الطاولة”.