حدائق القامشلي بين الإهمال والخصخصة.. متنفسات عامة تتحول إلى استثمارات خاصة

نالين علي – القامشلي

في مدينة القامشلي الواقعة شمال شرقي سوريا، يعبّر العديد من السكان عن استيائهم من تراجع واقع الحدائق العامة وتحوّل العديد من المساحات الخضراء إلى استثمارات خاصة، مما يحدّ من إمكانية استفادة الأهالي منها للتنزه كمتنفسات ضرورية، خاصة في ظل ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف وضيق الأوضاع المعيشية.

الاستثمارات الخاصة “تضيق” على السكان

يقول نعمان عثمان، من سكان حي قناة السويس في القامشلي، إن المدينة تمتلك مساحات شاسعة يمكن استثمارها في إنشاء حدائق عامة، ما يسهم في تحسين الواقع البيئي والمعيشي للسكان.

ويضيف لنورث برس، “قبل سنوات أنشأت البلدية حديقة عامة ضمن الحي، شملت ألعاباً للأطفال، مقاعد للجلوس، وعدداً من الأشجار، وقد كانت متنفساً حقيقياً لسكان المنطقة”.

ويتابع: “لكننا اليوم نشهد انتقال استثمارات كثير من المساحات الخضراء إلى جهات خاصة، ما يخلق شعوراً بالضيق والاستبعاد بين السكان.”

ويشدّد “عثمان” على أهمية التوسع في إنشاء الحدائق العامة داخل المدينة، مشيراً إلى أن هذه المساحات الخضراء تلعب دوراً محورياً في تحسين جودة الحياة، خاصة بالنسبة للأسر من ذوي الدخل المحدود الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف زيارة الحدائق الخاصة، والتي غالباً ما تهدف إلى الربح وتفتقر إلى الطابع الاجتماعي المجاني الذي يجب أن تتسم به الحدائق العامة.

ويقول: “معظم السكان في القامشلي من طبقات محدودي الدخل, هم أيضاً يريدون الترفيه لأطفالهم والخروج الى الحدائق, لكن الحدائق الخاصة مكلفة جداً لأنها تكون حدائق ربحية بشكل أساسي”.

تفتقر للاهتمام ومقومات الراحة

يقول حمو برو، نازح من مدينة رأس العين ويقيم حالياً في القامشلي، لنورث برس، إلى أنه يتردد بشكل شبه يومي منذ أربع سنوات على إحدى الحدائق العامة في المدينة، رغم افتقارها إلى الحد الأدنى من مقومات الراحة، مثل الأشجار والمقاعد وألعاب الأطفال.

ويضيف: “الحديقة ملك عام، ويقع على عاتق السكان مسؤولية الحفاظ عليها، لكنّ المسؤولية الأكبر تبقى على عاتق البلدية التي يفترض بها أن تقوم بدورها في صيانتها وتطويرها بالشكل المطلوب.”

كما يشير إلى وجود تجاوزات واضحة، أبرزها قطع الأشجار وبيعها من قبل ما يسميهم تجار في الحديقة، متسائلاً عن غياب الرقابة وعدم وجود جهود لزراعة أشجار بديلة، مطالباً البلدية بتأمين المياه للأشجار وحفر آبار لري الأشجار الاهتمام بها.

كما ينتقد “برو” أيضاً واقع الألعاب الموجودة داخل الحديقة، واصفاً إياها بأنها غير آمنة، ومعظمها مكسور أو معطّل، مما يهدّد سلامة الأطفال.

ويقول: “ابني الصغير يطلب دائماً الذهاب للعب، لكني لا أستطيع تركه بمفرده بسبب خطورة المعدات المتهالكة”، مشيراً إلى أن هذه الألعاب في حالتها الراهنة “قد تسبّب إصابات للأطفال.”

غياب النظافة وضعف الخدمات

في السياق ذاته، يشير صالح حسيني، من سكان القامشلي، إلى الفوارق الكبيرة بين الحدائق العامة والخاصة من حيث مستوى النظافة والصيانة وجودة الخدمات.

ويقول “حسيني” لنورث برس، “عند دخولك إلى حديقة خاصة تشعر بالراحة، كل شيء منظم، نظيف، ومريح”، مضيفاً أن الألعاب هناك آمنة ومتنوعة، بينما تعاني الحدائق العامة من الإهمال، وتبدو مهملة في كل تفاصيلها، من المقاعد المكسورة إلى الألعاب التالفة وحتى الأشجار.”

ويدعو “حسيني” البلدية إلى تحمل مسؤولياتها والعمل على تحسين واقع الحدائق العامة، باعتبارها الملاذ الوحيد لغالبية سكان المدينة، خصوصاً في ظل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة التي تمنع كثيرين من التوجه نحو البدائل الخاصة المكلفة.

ويقول: “أطفالنا بحاجة إلى أماكن آمنة للعب والاستمتاع بوقتهم، والحدائق العامة يجب أن تكون حاضنة لذلك، مشيراً إلى أن الحديقة تعكس وجه المدينة، لذا لا بد من العناية بها “لتبقى نظيفة وخضراء دائماً”.

رغم أهمية الحدائق العامة كمساحات حيوية تتيح لسكان القامشلي فسحة من الراحة في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة، لم تعلق بلدية القامشلي لنورث برس فيما يخص واقع الحدائق العامة، فيما تراجع الاهتمام الرسمي وتزايد تحويل هذه المساحات إلى استثمارات خاصة يهددان بفقدان هذه المتنفسات الضرورية.

تحرير: خلف معو