بين قلة الخيارات واحتكار المالكين.. تفاقم أزمة السكن والإيجارات في حمص

حمص  نورث برس

في قلب مدينة حمص القديمة، وتحديداً من حي باب الدريب، يروي الحاج عبد المؤمن بمرارة قصته مع أزمة الإيجارات التي باتت همًّا مشتركًا بين أبناء المدينة، قائلاً بلهجة محلية لا تخلو من التعب: “الوضع بدو إعادة نظر”.

قصة الحاج ليست سوى واحدة من مئات القصص المشابهة التي تعكس واقعاً مريراً يعيشه سكان حمص، وسط موجة ارتفاعات غير مسبوقة في أسعار إيجار المحال التجارية والمنازل على حد سواء.

“احتكار وغياب حكومي”

يقول الحاج عبد المؤمن بكور وقد انعكست الحسرة على ملامحه: “تركت محلي في باب السباع بعدما طلبه أصحابه، وبسبب غلاء الإيجارات بشكل غير معقول، اضطررت أن أعمل في هذا المحل بعدما كنت صاحب محل مستقل.”

تتفاقم أزمة السكن في سوريا، خاصة في مدينة حمص التي تتسع فيها نسبة دمار الأبنية السكنية، وسط استغلال من أصحاب العقارات برفع بدل الإيجارات لأكثر من أربعة أضعاف السعر ما قبل سقوط النظام السابق أواخر العام المنصرم، في حين يعاني آخرون من إخراج المستأجر بسبب قانون الإيجار القديم.

وفي حي الحمرا، أحد أكثر الأحياء طلبًا للإيجارات في مدينة حمص، يصف محمد الحسن أبو خالد الواقع بكلمات حادة، معتبرًا أن ما يجري تخطى حدود المعقول، ويوجه نداءً مباشرًا للسلطات: “يجب على الحكومة أن تضع سقفًا للإيجارات حسب كل حي، بحسب موقعه وظروفه، هذا هو الحل الأنسب.”
ويضيف “أبو خالد” بحزم: “الوضع كارثي، ولا يحتمل التأجيل.”

فيما يشير حسن طه، صاحب محل موبايلات في حي الأرمن بمدينة حمص، إلى أن الإيجارات مرتفعة جداً مقارنة مع حركة العمل والوضع الاقتصادي في البلد، مبيناً أن الإيجارات تصل إلى 300 دولار وهي أسعار “عالية جداً”.

ورغم التفاوت الظاهر بين الأحياء، إلا أن أغلب السكان يرون أن ما يحدث لا يمكن فصله عن حالة من الاحتكار المتعمد من قبل بعض أصحاب العقارات، الذين استغلوا قلة العرض وزيادة الطلب لرفع الإيجارات إلى مستويات تفوق قدرة السكان، في ظل غياب رقابة فعّالة أو تدخل حكومي حقيقي.

“غياب آليات واضحة”

في حي كرم الشامي، حيث تبدو الأبنية أكثر حداثة، يعرض التاجر ماهر سيد علي وجهة نظر مغايرة قليلاً، قائلًا: “المحال التجارية، حتى لو كان إيجارها مرتفع، ممكن تغطي التكاليف من الأرباح”.

ويضيف أن “المحل التجاري، حتى لو كان الإيجار مرتفع، فمن الممكن أن يغطيه بالعائد والإنتاجية، أما المنازل، فارتفاع أجورها الجنوني أمر يصعب تغطيته، لأنها منشآت غير منتجة.”

تصريحات تعكس أزمة معقّدة تتقاطع فيها العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتضع السكان في حمص في مواجهة مع واقع يومي لا يعرف الاستقرار، خصوصًا في ظل التحديات التي تعيشها المدينة منذ سنوات ما بعد الحرب.

ومع غياب آليات واضحة لضبط سوق الإيجارات، وازدياد الضغط على المسكن والعمل، تتصاعد المخاوف من أن يتحول السكن (أحد أبسط حقوق الإنسان) إلى حلم بعيد المنال، في مدينة لا تزال تحاول النهوض من تحت ركام أزمتها الطويلة.

وفي ظل قلة الخيارات، واحتكار السوق، وغياب الحلول الرسمية، يبقى سكان حمص الخاسر الأكبر، في انتظار إجراءات تضع حدًا لمعاناة لم يعد بالإمكان تجاهلها.

تحرير: خلف معو