العراضة التراثية طابع احتفالي مسموح به في إدلب
إدلب- نورث برس
يستعد محمد الغوطاني (45 عاماً)، وهو اسم مستعار لنازح في مدينة إدلب شمال غربي سوريا، مع فرقته لإحياءِ أحد الأعراس بطريقة الأغاني الشعبية والعراضات الشامية التي يشتهر بها منذ عقود.
وباتت العراضات التراثية المتنفس الوحيد للسكان في إدلب، والتي يمكنهم من خلالها أن يعبروا عن أفراحهم في الأعراس والمناسبات والمظاهرات السلمية.
وذلك بعد أن مُنعت باقي أشكال الاحتفال من فرق موسيقية وغناء وحفلات شعبة وغيرها في المناطق التي تخضع غالبيتها لسيطرة هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً).
وبالإضافة للتراث المحلي في المنطقة، اجتمعت ثقافات وعادات وتقاليد مناطق سورية أخرى في إدلب، نقلها نازحون من شتى المحافظات السورية.
وتعتبر العراضات الحمصية والشامية إحدى تلك العادات التي تعد من التراث الشعبي في سوريا، حيث كانت موجودة في إدلب قبل الحرب، لكنها لم تكن دارجة.
فقد كانت الأعراس تقام بوجود المطربين والدبكات الشعبية، إلى أن مُنعت تلك الأشكال من قبل هيئة تحرير الشام وفصائل متشددة أخرى بداعي التحريم.
وباتت هذه العراضات متنفساً للسكان، يعبرون من خلالها عن أفراحهم في الأعراس وباقي المناسبات، فانتشرت في شوارع المدينة وأريافها من خلال فرق خاصة بها.
ويعمل “الغوطاني”، الذي نزح قبل أربعة أعوام من داريا بريف دمشق، في مهنة العراضات منذ أكثر من 25 عاماً، إذ أنه ورثها عن والده الذي تعلمها من جده.
“عريس الزين يتهنى، ويا سباع البر حومي، وشن كليلة شن كليلة”، عبارات يرددها محمد وأصدقاؤه في حفلاتهم وأفراحهم ممزوجة بالتراث الشامي الذي لازال حاضراً في نفوس أبنائه.
ويقول إن العراضات التراثية لم تكن تلقى رواجاً واسعاً في محافظة إدلب، إذ أن فرق العراضات المتواجدة في المدينة كانت معدودة.
“ولكنها اليوم باتت من الطقوس المفضلة لدى السكان في أفراحهم وأعراسهم وإعلاناتهم، بعد أن حملها النازحون إلى أماكن سكنهم الجديدة”.
ويضيف أنه توقف عن العمل بالعراضات لفترة طويلة نتيجة النزوح الذي فرق أعضاء فرقته، إلا أنهم عادوا ليجتمعوا في مدينة إدلب، ويكملوا عملهم وشغفهم في تنظيم العراضات الشامية.
ويقول مصطفى الشيد (36 عاماً)، وهو اسم مستعار لنازح في إدلب وأحد المقبلين على العراضات التراثية، إن ” السيف والترس، والدق على الطبل والمزهر، إضافة لغناء المديح واللباس التقليدي هي أبرز ما يميز هذه الفرق والعراضات”.
ويشير إلى أنه مع تزايد عدد النازحين من دمشق وحمص وغيرها من المدن السورية في إدلب، انتشرت أنواع من العراضات بشكل ملحوظ.
ويتتبع “الشيد” حفلات الأعراس والمناسبات يومياً، لمشاهدة العراضات التراثية والاستمتاع بأمسياتها، من خلال مبارزات السيف والترس والحركات البهلوانية التي تبعث المرح والتسلية في النفس، على حد تعبيره.
وتختلف العراضات وطرق أدائها من محافظة لأخرى، إذ أن العراضات الدمشقية تكون ذات طابع غنائي وتراثي مختلف عن العراضات الحمصية والتي تتغير فيها اللكنة المحكية وطبيعة الأغاني الشعبية، بينما تتوافق العراضتان في اللباس الموحد، بحسب “الشيد”.
ويعمل رامي أبو العز (38 عاماً) في إحدى فرق العراضة الحمصية بمدينة سرمدا شمال إدلب، التي لم تعد تقتصر فيها على الأفراح والمناسبات فقط، بل راحت تشارك في النشاطات والفعاليات والمظاهرات السلمية، وتستخدم لتسليط الضوء على الانتهاكات في مناطق نزوحهم.
يقول “أبو العز”: “تشارك فرق العراضات مع المتظاهرين لتقوم بإضفاء طابع النقد الساخر عليها”.
وأضاف أن عراضاتهم تلقى إقبالاً كبيراً، خاصة في الحفلات الإعلانية لافتتاح المطاعم والمقاهي وغيرها من المحال التجارية.
وتتعرض الفرق لانتقادات من بعض الأشخاص الذين يلومونهم على إقامة الأفراح في ظل الحرب الدائرة التي يعاني منها الكثيرون.
وأشار “أبو العز” إلى أن ذلك من أبرز الصعوبات التي تواجه فرق العراضة في شمال غربي سوريا.
ويشجّع مصطفى الزيادي (26 عاماً)، وهو اسم مستعار لناشط إعلامي في مدينة إدلب على هذه المظاهر التي تعبر عن اندماج وتماسك المجتمع المحلي في إدلب.
ويعتقد أن من شأن هذه العادات إخراج السكان من أجواء الحرب والنزوح التي أوصلتهم إلى حالة نفسية صعبة، وذلك من خلال إضفاء أجواء الفرح والسرور في نفوس الحاضرين.