بين أصالة الماضي وتقنيات الحاضر.. حجر البازلت الأسود يستعيد بريقه في حوران

محمد قعبور ـ درعا

​شكّل حجر البازلت الأسود عبر قرون طويلة الهوية البصرية والمعمارية لسهل حوران وعموم الجنوب السوري، حيث لا تزال البيوت القديمة بقناطرها الحجرية وجدرانها العريضة، المشيّدة من صخور اللجاة البركانية، شاهدة على براعة البنائين الأوائل وقدرتها على الصمود لعقود في وجه العوامل الجوية.

واليوم، يعود هذا الحجر ليتصدر المشهد العمراني في محافظة درعا، متجاوزاً حضوره التقليدي نحو استخدامات حديثة تشمل إكساء الواجهات، وتصميم الديكورات الداخلية، وتجهيز الأرضيات والمطابخ، بفضل تطور آلات القص والنحت.

​ويرى يوسف الخطيب، صاحب شركة لتصنيع الحجر في درعا، في حديثه لنورث برس، أن الإقبال المتزايد على البازلت ينطلق من ارتباط السكان بتراثهم، إلى جانب تمتعه بجودة عالية وأسعار منافسة تناسب القدرة الشرائية في المنطقة.

ويبين أن إكساء المنازل بالبازلت يمنحها عمراً افتراضياً يتجاوز 100 عام دون الحاجة لأي صيانة دورية.

ويشير الخطيب إلى أن التطور التكنولوجي أحدث نقلة نوعية في المهنة، حيث وفّرت المعدات والماكينات الحديثة إمكانية قص وتشكيل الحجر وتنفيذ أي نموذج هندسي أو زخرفي يطلبه الزبائن بدقة وسرعة تفوق ما كان متاحاً في السابق.

​ورغم دخول الآلات الحديثة، تظل مهارة الحرفي ولمسته اليدوية الركيزة الأهم في تطويع الصخور البازلتية القاسية وإبراز قيمتها الجمالية.

ويوضح محمد الهنداوي، وهو نحات حجر لنورث برس، أن نحت البازلت وتشكيل تفاصيله الدقيقة مرحلة تتطلب جهداً وتركيزاً حسيّاً عالياً للوصول إلى الرونق المطلوب، لافتاً إلى أن غالبية الأهالي يفضلون التصاميم والنقوش التراثية المتوارثة عبر الأجيال على النماذج العصرية المستوردة من الإنترنت.

ويضيف النحات، الذي يمتلك خبرة تمتد لنحو أربعة عقود، أن البازلت الذي يغطي امتداداً واسعاً من درعا والسويداء وصولاً إلى القنيطرة، يتفوق بصلابته ومقاومته للتلف على خيارات أخرى كالغرانيت عندما يتم التعامل معه ومعالجته بحرفية.

​من جهتهم، يتجه أصحاب المنازل إلى اعتماد البازلت كخيار هندسي واقتصادي متكامل، إذ يؤكد حسين المحمدي، صاحب منزل مبني من البازلت، لنورث برس، أن قراره جاء رغبة في استعادة التراث المعماري الحوراني الذي تجسده معالم تاريخية بارزة مثل مدرج بصرى الشام، مستفيداً من خصائص الحجر الفيزيائية كعازل طبيعي يمنح المنزل برودة في حرارة الصيف ودفئاً في الشتاء، فضلاً عن انخفاض تكلفته إلى نحو النصف مقارنة بالرخام والأحجار المستوردة.

ويشير المحمدي إلى أنه حرص على تزيين واجهة منزله بتيجان وأعمدة حجرية مستوحاة من الطراز الأثري التدمري، في محاكاة تربط بين عراقة الماضي ومتطلبات العمارة المعاصرة.

تحرير: طلال عويد