القامشلي – نورث برس
أعاد المرسوم الرئاسي رقم (13) لعام 2026، المتعلق بالحقوق الثقافية واللغوية للكرد في سوريا، فتح النقاش حول مستقبل التعليم باللغة الكردية، وسط خلاف بين الحكومة السورية والمؤسسات التعليمية التابعة للإدارة الذاتية بشأن آلية تطبيق هذه الحقوق في المدارس.
وبينما تتجه الحكومة إلى تدريس اللغة الكردية كمادة ضمن المنهاج الرسمي وبحصتين أسبوعياً، يطالب الجانب الكردي بتوسيع نطاق تدريسها لتصبح لغة للتعليم إلى جانب العربية، ولا سيما في المناطق ذات الغالبية الكردية.
ويطرح هذا الخلاف أسئلة تتجاوز عدد الحصص الأسبوعية، إلى طبيعة النظام التعليمي الذي يمكن أن يحافظ على اللغة الأم وخصوصية المكونات، من دون أن يؤدي إلى فصل المناطق عن نظام تعليمي وطني مشترك.
اعتراف تاريخي
تقول الدكتورة سمر حبيب، عضو الهيئة التدريسية في المعهد العالي للبحوث والدراسات السكانية بجامعة دمشق، لنورث برس، إن المرسوم الرئاسي رقم (13) لعام 2026 يشكل “محطة تاريخية فارقة” في مسار السياسات التعليمية والاجتماعية في سوريا، باعتباره يقر بأن الكرد جزء أصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم اللغوية والثقافية ركن لا يتجزأ من الهوية الوطنية الجامعة.
وتضيف حبيب أن أهمية المرسوم لا تقتصر على إقرار الحقوق الثقافية واللغوية وتكليف وزارة التربية، بموجب القرار رقم 943، بإعداد المناهج، وإنما تمتد، وفق رؤيتها، إلى معالجة المظالم التاريخية، من خلال إلغاء الآثار القانونية لإحصاء عام 1962 الاستثنائي في محافظة الحسكة.
وترى أن المرسوم، من منظور العلوم التربوية والاجتماعية، يمثل انتقالاً من سياسات الإقصاء والتعريب القسري إلى سياق الاعتراف القانوني والرمزية الوطنية، لكنها تشير في الوقت ذاته إلى وجود فجوة بين الإقرار الرمزي والتمكين التربوي.
التعليم باللغة أم تعليم اللغة؟
وترى حبيب أن النص حصر اللغة الكردية بوصفها مادة اختيارية أو نشاطاً ثقافياً، وليس لغة للتعليم، معتبرة أن هناك تمييزاً أكاديمياً حاسماً بين “تعلم اللغة” و”التعلم باللغة”.
وتقول إن الاقتصار على حصتين أسبوعياً لا يحقق الكفاءة الوظيفية المطلوبة لحماية اللغة الأم أو ضمان استدامتها عبر الأجيال.
وتستند حبيب في رؤيتها إلى أربعة أطر رئيسية، بينها التعددية الثقافية التربوية، التي تفترض أن الاعتراف اللغوي يعزز شرعية الدولة السياسية ويزيد من اندماج المكونات ضمن إطار مواطنة مدنية مشتركة.
كما تشير إلى حقوق الإنسان في التعليم، مستندة إلى المادة 30 من اتفاقية حقوق الطفل وإعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الأقليات لعام 1992، اللذين يؤكدان، بحسب قولها، حق التعلم باللغة الأم دون الاستقلال عن موارد سياق الدولة.
وتعتبر أن نظرية التكامل الاجتماعي تمثل إطاراً ثالثاً، باعتبار المدرسة أداة للتضامن الوطني لا التفكيك، بينما يستند الإطار الرابع إلى أطر اليونسكو المتعلقة بالتعليم بلغة الأم، ودراسات تشير، بحسبها، إلى أن اكتساب الكفاءة الأكاديمية اللغوية يحتاج إلى 5 إلى 7 سنوات من التعرض المنهجي المكثف، وأن التعليم المبكر بلغة الأم يعزز تحصيل الطالب حتى في اللغة الرسمية للدولة.
ثلاثة مسارات للتعليم
تقترح حبيب نموذجاً تعليمياً من ثلاثة مسارات، يمكن تطبيقه تدريجياً خلال فترة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، لتجاوز محدودية نموذج الحصتين الأسبوعيتين.
وتوضح أن المسار الأول يتمثل في التعليم ثنائي اللغة المتوازي، من خلال تدريس العلوم والاجتماعيات بالكردية والعربية في مناطق التركز الكثيف، ومنها الحسكة والقامشلي وعفرين وكوباني.
أما المسار الثاني، فتقول إنه يتمثل في برامج التكميل اللغوي، عبر تخصيص أربع إلى ست حصص أسبوعياً، إلى جانب أنشطة لا صفية مكثفة في المناطق ذات الكثافة المتوسطة والمختلطة.
ويتمثل المسار الثالث، بحسب حبيب، في المناهج المدمجة متعددة الثقافات، من خلال إدماج تاريخ وثقافة الكرد وبقية المكونات في المناهج الوطنية لجميع الطلاب في سوريا، بما يعزز التكامل الاجتماعي.
وترى أن نجاح هذا النموذج يتطلب بناء كوادر تعليمية عبر برامج تأهيل معجلة تمتد بين ستة و12 شهراً، إلى جانب الاستعانة بالخبرات الإقليمية وتحديد اختبارات كفاءة تربوية ولغوية.
وتشير إلى أن التطبيق يحتاج كذلك إلى إشراك المجالس المحلية والمكونات الاجتماعية المختلفة، لضمان عدم الشعور بالتهميش العكسي، إضافة إلى استحداث وحدة تنسيق خاصة بوزارة التربية لإدارة التطبيق بشكل تدريجي وتجريبي في 15 إلى 20 مدرسة قبل تعميمه.
وتقول حبيب إن “تدريس اللغة الكردية كمادة مستقلة بحصتين أسبوعياً يمثل خطوة أساسية ومقبولة سياسياً لكسر القطيعة التاريخية، لكنها غير كافية من الناحية التربوية”.
وتوضح أن “الحماية الحقيقية للغة الأم تقتضي الانتقال التدريجي والمرحلي نحو نموذج التعليم ثنائي اللغة، مع الحفاظ الصارم على اللغة العربية والتربية الوطنية كجامع مشترك لكافة أبناء الشعب السوري”.
“خطوة في الاتجاه الخاطئ”
في المقابل، يرى إبراهيم خليل، الكاتب واللغوي الكردي المقيم في ألمانيا، أن هناك تناقضاً بين التصريحات الرسمية التي تؤكد اعتبار الكرد “جزءاً أصيلاً من النسيج السوري”، وبين تعامل الحكومة السورية معهم، وفق وصفه، باعتبارهم “جالية كبيرة العدد”.
ويقول خليل إن هذا التناقض يمثل جوهر الخلاف بين رؤية الحكومة السورية ورؤية الإدارة الذاتية فيما يتعلق بتدريس اللغة الكردية.
ويضيف أن تدريس حصتين اختياريتين أسبوعياً لا يمكن اعتباره مكسباً وطنياً أو خطوة صحيحة على طريق حل القضية الكردية في سوريا، بل يمثل، وفق رأيه، “خطوة في الاتجاه الخاطئ على طريق الصهر القومي وتعريب ما تبقى من الكرد”.
لغة رسمية ثانية
ويرى خليل أن الحل الوطني يتمثل في إقرار اللغة الكردية لغة رسمية ثانية، وافتتاح مدارس رسمية للمرحلة الابتدائية في المناطق الكردية يكون التدريس فيها بالكردية فقط، مع تخصيص حصة يومية للغة العربية وجعلها، إلى جانب الكردية، “مادة مرسبة”.
ويقترح أن تتبادل اللغتان أدوارهما بعد ذلك في المرحلتين الإعدادية والثانوية، مع إنشاء “دائرة التعليم الكردي” في وزارة التربية السورية.
أما في مجال التعليم العالي، فيقول خليل إنه يمكن مبدئياً الاتفاق على افتتاح قسم للأدب الكردي في كليات الآداب في عموم الجامعات السورية، أو ترسيم أربعة معاهد لتخريج مدرسي اللغة الكردية في الحسكة والقامشلي وعفرين وكوباني.
ويشير إلى أن “هذا هو الحد الأدنى الذي يمكن أن يرضي طموح الشعب الكردي في سوريا ويحافظ في الوقت نفسه على لغته وتراثه”، وفق تعبيره.
بين نموذجين
ويضع الخلاف الحالي الحكومة السورية والمؤسسات التعليمية الكردية أمام مسارين مختلفين في مقاربة التعليم باللغة الكردية؛ الأول يقوم على إدراج الكردية ضمن المنهاج الرسمي كمادة مستقلة، بينما يدعو الثاني إلى الانتقال نحو نموذج تكون فيه الكردية لغة للتدريس في المناطق ذات الغالبية الكردية، إلى جانب العربية.
وبينما ترى حبيب أن تدريس الكردية بحصتين أسبوعياً يمثل خطوة أولى قابلة للتطوير نحو نموذج ثنائي اللغة، يعتبر خليل أن هذا النموذج لا يضمن حماية اللغة، وأن الاعتراف بها كلغة رسمية ثانية واعتمادها لغة للتعليم في المناطق الكردية يمثلان الحد الأدنى المطلوب.
ويظل التحدي أمام النظام التعليمي السوري في إيجاد صيغة تضمن الحقوق اللغوية والثقافية للكرد، وتحافظ في الوقت نفسه على العربية كلغة مشتركة، ضمن نظام تعليمي وطني قادر على استيعاب التعدد اللغوي والثقافي في البلاد.