فاطمة عبدي تحفظ ذاكرة كوباني بحبات “البوغير”.. زينة تنبض بحكايات الأجداد
فتاح عيسى – كوباني
فوق تلال قرية في ريف كوباني، تتحرك يدا فاطمة شيخو عبدي (65 عاماً) بمهارة واعتياد بين نبتات “البوغير/ الحرمل” الخضراء، تجثو السيدة الستينية بين الحين والآخر لتقطف الأغصان المحملة بحبات النبتة الزكية، في مشهد يختزل عقوداً طويلة من الارتباط الوثيق بين أبناء المنطقة وطبيعتهم المعطاءة.
فاطمة، التي تعلمت هذه الحرفة منذ كانت طفلة تراقب والدتها ونساء القرية، لا ترى في قطاف “البوغير/ الحرمل” مجرد جمعٍ لنبتة برية تنمو مع نهايات الربيع، بل طقساً سنوياً يعيدها إلى جذور الهوية والذاكرة في المنطقة.
تقول فاطمة وهي تنظف الأغصان من الأعشاب العالقة لنورث برس: “كنا نخرج أنا وأمي لقطاف النبتة ونأتي بها إلى البيت لنصنع منها لوحات زينة كبيرة نعلقها على جدران منازلنا الطينية، لم تكن مجرد ديكور، بل كنا نؤمن ونعتقد أنها تطرد الحسد والعين وتجلب البركة للمنزل”.
دواء وطردٌ للعين
لم تكن نبتة “البوغير” في ذاكرة كوباني وريفها مجرد قطعة زينة، بل كانت صيدلية منزلية ومادة تنظيف أساسية في زمنٍ يسبق توفر الأدوية الحديثة.
تستذكر السيدة الستينية كيف كان كبار السن يطحنون جزءاً من النبتة للتداوي من أمراض المعدة، بينما يُحرق جزء آخر لتفوح رائحته الزكية في أرجاء المنازل وأمام حظائر الأغنام لطرد السحر والعين.
وتضيف فاطمة عن ابتكارات أمهات الأمس: “كنا نحفر حُفراً بجانب المنازل ونضع فيها النبتة وهي خضراء حتى تتحول إلى مادة شبه ترابية سوداء نسميها (زنك زنكو)، كنا نخلطها بالماء لغسيل الثياب وتحميم الأطفال، إذ كانت مضادة للحساسية والأمراض الجلدية في وقت لم يكن يتوفر فيه سوى مادة الصودا”.
ذكريات تجمع نساء القرى
تسترجع فاطمة طفولتها وكيف تحولت صناعة هذه اللوحات التراثية إلى مدرسة تتوارثها الأجيال؛ حيث كان رجال القرية يجلبون قطعاً خشبية يربطونها على شكل صلبان أو مثلثات، لتبدأ النساء بكبس الخيوط وحياكتها داخل الفراغات.
تقول السيدة الستينية إن نساء القرية كنا يجتمعن في جلسات حياكة مشتركة، وعندما كانت هي طفلة تتفرج عليهن وتساعدهن في إدخال حبات الحرمل في الخيوط، بينما يقوم الكبار بالتجهيز النهائي، فيما بدأت هي بصنع هذه الزينة بنفسها عندما رحل الكبار.
وتضيف فاطمة إن حدود الإبداع لدى نساء المنطقة لم تتوقف عند البوغير/ الحرمل؛ فقد كنّ يصنعن سلال الخبز من قصب القمح الطويل لتقديم الطعام للضيوف، ويُزينّ اللوحات والسلال بقصاقيص الأقمشة الملونة، وحتى ألعاب الأطفال كانت تُغزل من الطبيعة، حيث تبتكر الفتيات من نبتة “القنيبرة” ألعاباً على شكل عرائس يُلبسنها ثياباً خيطت يدوياً.
أصالةٌ تقاوم الحداثة
وعلى الرغم من تغير أشكال الزينة ودخول المواد واللوحات الحديثة، لا تزال فاطمة تحتفظ بطقوسها القديمة، فتخيط بإبرتها حتى اليوم قطعاً قماشية صغيرة تُستخدم كخزائن حائطية حفظاً للقداحات والإبر، إضافة غلى استمرارها بصنع والسجاد اليدوي.
وعن رائحة الحرمل المميزة، تبتسم السيدة قائلة: “رائحتها عابرة للزمن.. في الماضي كان الجميع يعشق هذه الرائحة لأنها ترتبط بالصحة والعافية، واليوم رغم أن البعض بات يتحسس منها، إلا أنها تبقى بالنسبة لنا رائحة الأجداد والديار”.
تختم فاطمة حديثها وهي تثبت حبات الحرمل على إطارها الخشبي بثبات: “أجدادنا وآباؤنا صنعوا هذه الزينة، ونحن قلدناهم وما زلنا نصنعها في قرانا.. إنها أمانة الذاكرة التي نريد أن تبقى رغم الحداثة”.
