الإحصاء الاستثنائي الشوفيني لعام 1962 وانعكاساته على الكرد في سوريا

جاء الإحصاء الاستثنائي لعام 1962، الذي جُرِّد بموجبه عشرات الآلاف من الكرد من الجنسية السورية وحُرموا من أبسط حقوق المواطنة، في سياق صعود التيار القومي العربي في المنطقة، ونشوء الدول المركزية القائمة على الإقصاء والشمولية.

وبحسب منظمات حقوقية وتقارير دولية، فقد بلغ عدد الكرد المجردين من الجنسية والمحرومين منها، بين عامي 1962 و2011، أكثر من 517 ألف كردي سوري، انقسموا إلى فئتين:

الاولى فئة الأجانب: كتب في هوياتهم أجانب الحسكة.

الثانية فئة المكتومين: وهم الذين لم يُسجَّلوا في السجلات المدنية نهائيًا.

في عام 2011، وبعد اندلاع الثورة السورية، أصدر بشار الأسد المرسوم التشريعي رقم 49 الذي منح الجنسية لجزء من هؤلاء، إلا أن الكثير من الكرد ظلوا بلا جنسية حتى بعد صدور المرسوم، بسبب التعقيدات القانونية والإدارية، والظروف الاستثنائية التي مرت بها البلاد.

ورغم سقوط نظام الأسد، لم تُبدِ السلطة المؤقتة أي اهتمام أو جهدٍ حقيقي لحل قضية الإحصاء الاستثنائي، وتعاملت معها بقدر كبير من اللامبالاة والتجاهل، على الرغم من أن القضية ما تزال عالقة دون حل. ويعكس ذلك استمرار العقلية ذاتها في التعامل مع القضايا المصيرية، دون أي تغيير يذكر في منهجية التفكير أو إدارة الملفات الوطنية.

لقد عانى الكرد الذين جُرِّدوا من الجنسية السورية من حزمة واسعة من التمييزات العنصرية التي مست حقوقهم المدنية والسياسية والاقتصادية، إذ مُنعوا من ممارسة حقوقهم الأساسية، مثل:

          •         حق التصويت والترشّح في الانتخابات.

          •         حق التوظيف والعمل الرسمي في القطاع العام.

          •         حق السفر والحصول على جوازات السفر.

          •         حق تسجيل الزواج والمواليد في الدوائر الرسمية.

          •         حق تملّك العقارات والمشاركة الفاعلة في الحياة العامة.

وقد أدّى هذا الحرمان إلى تداعيات خطيرة سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا ونفسيًا على المجتمع الكردي، ما تزال آثارها وتبعاتها قائمة حتى اليوم.

ويُعدّ الإحصاء الاستثنائي لعام 1962 في محافظة الحسكة أحد أكثر المشاريع العنصرية المنظمة في تاريخ الكرد السوريين، إذ لم يكن مجرد إجراء إداري، بل جاء كجزء من سياسة ممنهجة لتغيير التركيبة السكانية في المنطقة، وإقصاء الكرد وتجريدهم من حقوق المواطنة. وقد شكّل هذا الإحصاء بداية مرحلة طويلة من التمييز الممنهج والإقصاء السياسي والاجتماعي بحق شريحة واسعة من الكرد السوريين، ما ترك آثارًا عميقة على حياتهم وهويتهم الوطنية.

إنّ الحركة السياسية الكردية في سوريا مطالَبة اليوم بأن تولي قضية المجردين من الجنسية السورية الاهتمام اللازم، بوصفها إحدى القضايا الجوهرية التي ما زال الكرد يعانون من تبعاتها حتى اللحظة، لما تمثله من انتهاك مباشر لحقوق الإنسان وكرامة المواطن. فالآثار السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والنفسية لهذا الإحصاء ما زالت تلقي بظلالها الثقيلة على الواقع الكردي، وتُعمّق من معاناته، وتكرّس حالة الحرمان وعدم المساواة التي يعاني منها منذ عقود.

اليوم نطالب السلطة المؤقتة في دمشق أن تتعامل مع قضية الإحصاء الاستثنائي الشوفيني لعام 1962 بجدية ومسؤولية وطنية، عبر إزالة جميع آثاره السلبية على الكرد السوريين وإعادة الاعتبار لهم، من خلال تصحيح الوضع القانوني للمجردين من الجنسية، ومنحهم حقوقهم المدنية والسياسية والاقتصادية كاملة، باعتبار ذلك مسؤولية وطنية تضمن المساواة وتعزز العدالة الاجتماعية، وتمهّد لقيام مواطنة حقيقية ومشاركة فعّالة لجميع السوريين في الحياة العامة.