بين الحرب والحجر.. فنان من كوباني يعيد إحياء فن الفسيفساء في سوريا

فتاح عيسى – كوباني

في زاوية صغيرة من منزله، يجلس فاروق إيبو (45 عاماً) منكفئاً على طاولة خشبية تتناثر فوقها أدوات بسيطة وقطع حجرية صغيرة. يلتقط حجراً تلو الآخر، يقصّه بحذر، ثم يضعه في مكانه كمن ينسج حكاية قديمة بألوان صامتة. هكذا يولد فن الفسيفساء بين يديه؛ لوحات من حجارة جاءت من مدن مختلفة لتجتمع في مشهد واحد، تماماً كما يجتمع تاريخ طويل من الألم والجمال في حياة هذا الرجل.

رحلة مع الحجر

تعلم فاروق هذه المهنة منذ طفولته، عندما كانت عائلته تعيش في لبنان. لم يكن مجرد طفل يلهو، بل تلميذاً في ورشة عائلية يتقن أسرار الفن الذي ورثته الأسرة جيلاً بعد جيل. اليوم، وبعد أكثر من ربع قرن من العمل، لا يزال يردد أن الفسيفساء ليست مجرد “مهنة” بقدر ما هي لغة قديمة من لغات الفن.

“بدأت وأنا طفل صغير، ثم علمت إخوتي وأطفالي. الحجر صار جزءاً من يومي، مثل الخبز والماء”، يقول لنورث برس، وهو يمرر يده على لوحة لم تكتمل بعد.

بين الحرب والفن

لكن هذه اللغة كادت أن تُخرسها الحرب. قبل الأزمة السورية، كان فاروق يعيش من عائدات الفسيفساء بشكل كامل، بل وكان فنّه يسافر أبعد منه؛ من لبنان إلى روسيا وأمريكا ودول أخرى. ومع إغلاق الطرق وصعوبة الحصول على المواد، توقفت يداه عن العمل لسنوات. “الأزمة لم تسرق فقط حجارتنا، بل أيضاً قوتنا. اللوحة التي كانت تُباع بمئة دولار صافية، بالكاد الآن تساوي نصفها بعد احتساب التكاليف”، يوضح.

ورغم ذلك، لم يستسلم. خلال الأشهر الأخيرة، أعاد إحياء ورشته بصمت، وأنجز لوحات لشخصيات وأشكال هندسية ونباتية، سافرت بعضها إلى روسيا.

من كل مدينة لون

كل لوحة عند فاروق تحمل خريطة ألوانها الخاصة. فالحجر البيج يأتيه من جبال القرداحة، والأصفر من دمشق، والزهري من إدلب، أما عفرين فتمد يده بالألوان الغامقة من البني والأسود. وحتى كوباني، مسقط رأسه، تمنحه صخورها البنية والوردية التي تشبه ألوان إدلب.

“كل حجر يحمل لون مدينة. وعندما أجمعها، أشعر أن هذه المدن التي تبعد مئات الكيلومترات صارت قريبة من بعضها داخل اللوحة. ربما هذا هو معنى الفسيفساء الحقيقي”، يقول بابتسامة متعبة.

لكن ليس كل الألوان متاحة. فالأخضر الذي كان يستورده من الهند، والوردي الباكستاني لم يعودا في المتناول، ليضطر أحياناً إلى ابتكار بدائل.

مهنة صعبة.. لكنها خالدة

في ورشته، لا مكان للسرعة. لوحة بمساحة متر مربع قد تحتاج إلى خمسة أيام من العمل اليدوي المضني، فيما لوحات أخرى قد تستنزف عشرة أيام كاملة. بعدها تبدأ مرحلة التركيب، حيث تُثبّت اللوحة في جدار أو أرضية لتبقى كما هي لعشرات، وربما مئات السنين. “الحجر طبيعي من المرمر. لا يتغير لونه. اللوحة يمكن أن تعيش أكثر منا جميعاً”، يعلق فاروق.

خلال سنوات عمله الطويلة، رسم مئات اللوحات، من نباتات وأشكال هندسية وصولاً إلى وجوه شخصيات شهيرة. ومن بين ما يفتخر به لوحة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، طلبتها إحدى الجهات الروسية بطول متر ونصف.

رغم أن فن الفسيفساء يلقى اهتماماً في دول مثل الأردن وتونس والمغرب، إلا أن سوريا تكاد تخلو من معارض متخصصة. وحده معرض دمشق الدولي يتيح بين حين وآخر مساحة صغيرة لهذه اللوحات.

ومع ذلك، يصر فاروق على أن هذا الفن لا يجب أن يتوقف: “أتمنى أن يكون هناك قسم جامعي اسمه فن الفسيفساء، مثل النحت. لا أريد أن تنتهي المهنة عندي”.

ولأجل ذلك، بدأ بالفعل بتعليم طفله وأكثر من ثلاثين شخصاً من أبناء مدينته، غير أن معظمهم اضطر للهجرة بعيداً.

بين الماضي والمستقبل

في كل حجر يضعه، يحاول فاروق أن يثبت أن الفسيفساء ليست مجرد قطع صغيرة متجاورة، بل ذاكرة مدينة كاملة. ذاكرة تحاول أن تصمد، مثل صاحبها، وسط حرب أنهكت كل شيء.

“الحجر لا يتكسر بسهولة، حتى لو طالته الحرب. وأنا أيضاً لا أريد أن أنكسر”، يقول فاروق، قبل أن يعود إلى طاولته، حيث تنتظر لوحة جديدة أن تكتمل.

تحرير: معاذ الحمد