بين شغف المهنة ودقة الصّانع.. مهنة سكب الخردوات مُهددة في القامشلي

القامشلي – نورث برس

رُغم خُطورة اللعب بالنَّار، إلا أنّ عِشق مهنة سكب الخردوات رغم مشّقتها والذي احتل قلب مسعود يوسف محمد (66 عاماً) من سكان مدينة القامشلي، عندما كان في السّابعة من عمره، يُبيح له ذلك.

وبين من هاجروا عَقبَ بدء الأحداث السّوريّة وآخرون خطفهم الموت، يبقى معملُ “أبو يوسف” لسكبِ الخردوات مُشرعاً أبوابه منذ عشر سنوات، وحيداً من أصل أحد عشر ساكباً كان في مدينة القامشلي.

وبيدي الصّانع الماهر المُتقن، الذي يُعتبر من أوائل من زاولوا هذه المهنة وتعلمها في محال السّكب بالمدينة الصّناعية، يُنظف بقايا قطعٍ حديدية من التّراب المُلتصق فيها، وهو يقول لنورث برس “أصعب شيء هو الاستمرار، لأن مهنتنا تواجه خطر الاندثار”.

وفي عام 1976 افتتح “محمد” محله الخاص في حي الهلالية بمدينة القامشلي، بعد أنّ كان عاملاً لدى الأرمن، ولشّغفه بعمله أورثه لابنه يوسف، وعلمه أصول المهنة التي بقي معه فيها سبعُ عمالٍ بعضهم من رفاق طفولته، وكلٌ منهم له دورٌ معين، ويحصل على مئة ألف ليرة أسبوعياً.

وبداية استنسخ الرّجل قوالب خشبية وقوالب من الألمنيوم من القطع الحديدية نفسها، ليستنسخوا منها قوالب السّكب الفنونتية.

ويُطري السّتيني على جودة عَملهِ “قطعنا لا تقِل عن الأجنبية، لأن اعتمادنا على موادٍ خام مُصنعةٍ في أوروبا”.

ويشير السّكاب إلى أنّه بعد الانتهاء من العمل يصرفون القطعة حسب حاجتها، إلى المطاحن أو الآلات الزّراعية، ومتعهدي تمديدات الصّرف الصّحي وغيرهم.

ونظراً لعدم توفر الكميات اللازمة من المازوت وارتفاع أسعاره، بسبب الأوضاع الاقتصادية المُتردية في المنطقة، يصف “محمد” عملهم بـ “الخسارة”.

ولا سيما أنّ قلة الأمطار تنعكس سلباً على مهنتهم، إذ أنّ نصف الاعتماد على سكب قطع الآلات الزَّراعيّة، إضافة إلى نُدرة قطع الرّي بسبب الغلاء، كما قال.

وللحصول على الاكتفاء الذّاتي في المدينة، تقدم الإدارة الذّاتية الدّعم للمعامل، حسب ما قالته الرّئيسة المُشاركة لغرف الصّناعة في القامشلي نيروز أحمد، لنورث برس.

مراحل العمل

وبلمساتٍ فنية معجونة بخبرة سنوات ورثها من والده، يستنسخ يوسف مسعود يوسف (46 عاماً)، القطع المعدنية بأخرى مماثلة لها، مُستخدماً أدواتٍ خاصةً لذلك.

ويُصهر المعدن في فرن بدرجة حرارة تفوق الألف درجة مئوية، ليصبح سائلاً من نار كالذي في جوف البراكين (اللافا)، ثم يُسكب في قوالب معينة لها أشكالٌ مُختلفة، وفيها القليل من الرّمل لتسهيل إخراج القطعة لاحقاً.

ويقول: “بعد أنّ تبرد القطعة، تذهب إلى المخرطة لتُصبح صالحة للاستخدام، هكذا نحصل على قطعٍ لها المواصفات والشّكل نفسه”.

ولا يُنكر “يوسف” أنهم على حافة الرّكود، إذ يقول، وهو يجفف عرقه الغزير من درجات الحرارة المرتفعة في موقع العمل، “نشتري المواد الأولية بالدّولار ونبيع القطعة المسكوبة بالليرة السّورية”.

خطر وفائدة

أما عن مخاطر المهنة فهناك الغازات السّامة النّاتجة عن صهر المعادن وخصوصاً مادة النّحاس إضافة لمخاطر الحروق والتّشوهات في العينين.

“نحمي أنفسنا بارتداء ملابس سميكة، وقفازات وقليلاً ما نرتدي النّظارات لحماية أعيننا من الاحتراق”.

وتوجد خطة مُستقبلية لنقل الصّناعة من داخل المدينة إلى خارجها، بسبب الأدخنة التي تؤدي لتلوث البيئة، إضافة لإنشاء معمل جديد لصهر الحديد قريباً، كما قالت المسؤولة في غرف الصّناعة.

ويستفيد من معمل أبو يوسف ورشة علي المحمد (54 عاماً)، وهو اسم مستعار لنّازح من مدينة حلب، والتي افتتحها منذ سنتين، ويعتمد فيها على المعمل لسكب القوالب الكبيرة، نظراً لعدم امتلاكه الإمكانيات لسكب جميع أنواع القطع.

ويقول الخمسيني إنّ “مخصصاته من المازوت3000  ليتر شهرياً، لم يحصل منها إلا على النّصف، وفرن الصّهر لديه يستهلك مئتي ليتر”.

ولفت النّظر إلى أنه في جداول المحروقات “لا يوجد للصناعيين مخصصات من الغاز”، وهم بحاجة في الشّتاء إلى تجفيف القطع بعد السّكب.

ويحتاج هذا العمل لعدة مواد أساسية كـالخردة (معادن) والرَّمل والتّراب الحراري، والقرميد وبركازا والسّيلكون والبانتونايت.

وبجملة عامية يقول: “الرّمل كنا ناخدوا ببلاش، كان بالأراضي، هلأ المتر صاير بثماني دولارات”.

إعداد :آسو إبراهيم . تحرير: آيلا ريّان