درعا – نورث برس
يرى الأربعيني عدي عزيزة، وهو اسم مُستعار لأحد سكان درعا، أنّ المدينة بحاجة للكثير من الخدمات، ذات التكلفة المادية الكبيرة والأيدي العاملة الخبيرة، في ظل غياب الإصلاحات الحكومية، الأمر الذي دفع بالسكان إلى تغيير الواقع الخدمي بأنفسهم عبر المبادرات المحلية.
ومنذ مُصالحة تموز/ يوليو 2018، بين الحكومة السّورية والمعارضة في درعا، وإعادة سيطرة الحكومة على كامل المدينة في حزيران/ يونيو 2021، لم يتغير شيء في الواقع الخدمي الذي تسبب الصّراع بنقص كبير فيه، ولا سيما في المناطق التي كانت تُسيطر عليها المعارضة، بحسب شهود عيان.
وقال “عزيزة” إنّ “شبكة الكهرباء تعرضت للقصف خلال الأعوام الماضية، الأمر الذي أدى لتلف الأكبال، وتحطم عشرات الأعمدة وخروج محولات الكهرباء كاملةً عن الخدمة”.
وشبكة الكهرباء في المدينة “شبه مُنتهية”، على حد وصف “عزيزة” وهو المسؤول عن المبادرات المحلية، إذ أنّها تعمل بأقل من نصف طاقتها.
وقال سكان محليون لنورث برس، إنّ العديد من أدواتهم المنزلية تعطلت بسبب الانقطاع المتكرر للكهرباء، في حين أنه في بعض المناطق النّائية لا يوجد كهرباء مُطلقاً.
ولحل هذه المُشكلة توجد خطة لجمع مبلغ مالي من عشائر المدينة، لشراء الأكبال وبعض المواد اللازمة، بحسب “عزيزة”.
ولا ينكر مسؤول المبادرات وجود مفاوضات مع مديرية الكهرباء التّابعة للحكومة السورية في درعا، لإرسال فنيين مع رافعات ومعدات للعمل على تركيب الأكبال والأعمدة وتأمين محولات كهربائية عوضاً عن التي تدمرت.
بلا ماء
وفي وقت سابق شاركت عشائر المدينة بمبادرات عدة، إذ جُمع مبلغ مالي لشراء تريكس يعمل على حفر القبور في مقبرة المدينة، حسب “عزيزة”.
ويقول “نصرف لسائق التّريكس راتباً شهرياً، إلى جانب تأمين تكلفة صيانته”.
كما وجمع السّكان قبل ذلك، مبلغاً، لشراء قطع لخزان المياه الرّئيسي الذي تضرر نتيجة استهدافه بقذائف مدفعية الحكومة.
واعتبر ناشطون أنّ الخدمات في درعا تكون على “حسب ولاء سكان المناطق للحكومة”، إذ تشهد درعا العديد من الاعتقالات وعمليات الخطف والاغتيال لعدد من المُعارضين.
وينتقد “عزيزة” مديرية المياه التّابعة للحكومة، والتي رفضت تركيب قطع بديلة للخزان، بالرَّغم من توافرها في مستودعاتها، بذريعة “الخوف من سرقتها بعد تركيبها، نظراً لانتشار السّرقات في المنطقة”.
ورغم وجود عشرة آبار تغذي 75 بالمئة من المدينة، إلا أنّ ذلك لا يغطي حاجة السكان، لأن المياه لا تصل إلا مرة واحدة في الأسبوع إلى كل منزل، الأمر الذي جعل معظم السّكان يلجؤون للصهاريج، بحسب سكان في المنطقة.
إصلاحات معدومة
وفي الوقت الذّي يتهم فيه سّكان موظفي مديرية المياه في درعا بالتغافل عن الإصلاحات، يبرر ناهد سويدي، وهو اسم مستعار لأحد الموظفين، بأنّ “ورشات الصّيانة تتلقى تعليمات بعدم التّوجه لإصلاح الأعطال في درعا البلد، طريق السّد، المُخيمات، التي كانت تسيطر عليها المعارضة، لأنها غير آمنة”.
وتعتمد درعا البلد في تغذية الخزان الرّئيسي على خط الأشعري، الذي يتعرض لتعديات كثيرة، وكذلك الآبار المحيطة التي تعمل على الطّاقة الشّمسية (مشروع أنشأته منظمات غير حكومية) الأمر الذي أدى لشح المياه فيها.
ويتم تزويد أحياء فيها بالمياه وحرمان أخرى، نتيجة سوء التّوزيع، لذا يتم العمل لاستجرار خط مياه رئيسي من الآبار الموجودة بالقرب من خربة غزالة وإيصاله إلى خزان درعا البلد، بإشراف مؤسسة المياه، حسب سكان محليين.
وقال “سويدي”: “الأعطال التي تحدث في أحياء درعا المحطة، تُصلح خلال ساعات قليلة، وفي بعض الأحيان يشرف المدير مباشرة علينا لمراقبة سير العمل”.
وبالرغم من وجود إمكانية لإعادة ترميم الخزانات، إلا أنّ المديرية تبحث عن منظمات تتكفل بذلك، بذريعة “عدم وجود مقومات لمثل هذه المشاريع الضّخمة التي تفوق قدرتها المالية”، كما قال “سويدي”.
تعليم مُهمش

أما بالنسبة للجانب التّعليمي، فيتخوف السّكان من تفشي الأمراض في المدارس، نظراً لما وصفوه بـ “تكدس الطّلاب فوق بعضهم”، إضافة لعدم وجود أي طرق للوقاية أو التّعقيم بشكل دوري.
وعن هذا يقول بسام الطّالب، وهو اسم مُستعار لأحد سكان درعا، إنهم بحاجة لـ”صيانة سريعة” للمدارس التي تضررت.
وتعرضت 433 مدرسة للدمار في المدينة جراء القصف الرّوسي من أصل 988، وفي مناطق سيطرة المعارضة تدمرت 34 مدرسة حكومية وخاصة، 24 منها خارجة عن الخدمة كلياً بسبب الدّمار، وعشرة تم إعادة تفعيلها من قبل السّكان المحليين بإمكانيات بسيطة.
ويضيف الرّجل أنّ منطقته لا تحتوي إلا على “ثلاث مدارس ابتدائية ومدرسة ثانوية للبنات وأخرى للبنين”، وهي غير كافية لمدينة تجاوز عدد سكانها السّتين ألف نسمة.
وفي مبادرة شعبية، عمد سكان خربة غزالة في درعا، على تأهيل سبع مدارس في منطقتهم، خمسٌ منها ابتدائية واثنان ثانوية، وكشف مصدر محلي، أنّ تكلفة التّرميم بلغت “حوالي26 مليون ليرة سورية، دفعها السّكان من جيوبهم”.
وقال عضو اللجنة الشّعبية إنّ هناك أربع مدارس في المنطقة ما تزال خارجة عن الخدمة كلياً، بينما هناك نقص في المدارس التي أعادوا افتتحاها، ولا سيما مع غياب الكادر التّعليمي المؤهل.
ولعدة مرات أرسلت مديرية التّربية التّابعة للحكومة، مهندسين للاطلاع على المدارس المُتضررة، الذين اكتفوا “بتقييم الأضرار فقط”، كما قال “الطالب”.
ووصف الشّاب تهميش الواقع التّعليمي في المدينة بالـ “مُتعمد”، وبحاجة للتحسين بأسرع وقت، إذ تضم بعض القاعات الصّفية أكثر من خمسين تلميذاً، في حين أنها تستوعب ثلاثين فقط.
وعود فارغة
وفي 2021، زار المحافظ لؤي خريطة المدينة برفقة عدد من مدراء الدّوائر، بغية الاطلاع على الواقع الخدمي فيها.
وخلال اجتماع “خريطة” مع وجهاء المدينة، أعطى عدة وعود لتحسين الخدمات، عبر صيانة شبكات المياه وترميم المدارس، وتعيين أشخاص ليكونوا صلة وصل بينه وبين السّكان.
وفي الوقت نفسه يشكك السّكان بتنفيذ وعود المحافظ، كونهم خلال السّنوات الماضية أصلحوا في مدينتهم بعض الأضرار على “نفقتهم الخاصة، لا عبر الدّوائر الحكومية”.
ومن جانبه قال رامز العمري، وهو اسم مُستعار لأحد وجهاء المدينة، إنّ لقائهم بالمُحافظ لم “يؤتي أُكله”، إذ أنه بعد مرور مدة على زيارته “لم يحدث أي تغيير حتى اللحظة”.
وتعهد المُحافظ بإرسال ورش لإزالة القمامة التي شاهدها “مكدسة بشكل كبير” أثناء جولته في الشّوارع، إلا أنّ ذلك لم يحصل”.
وتنتشر القمامة في المدينة بشكل كبير، الأمر الذي يهدد بتفشي الأمراض، إضافة لأن المنظر العام فيها مشوه، فالأكياس ملقاة على الطّرقات وحاويات القمامة ممتلئة.
وتقتصر أعمال النّظافة على الأسواق والشّوارع الرّئيسية، باستخدام العربات اليدوية في المدينة، إذ أنّ رئيس البلدية يعتبر أنّ “ترحيل القمامة بعيداً عن المدينة يحتاج لمخصصات مالية كبيرة”.
وبُعد المكان المخصص للنفايات عن مركز المدينة خمسة عشر كيلو متر، وهذه “قدرة الآليات” بحسب مسؤول في البلدية.
ويقول “العمري” إنهم تحدثوا لرئيس البلدية أكثر من عشر مرات، لإيجاد حل للقمامة المكدسة، التي أصبحت “ملجأ للكلاب الضّالة ومنبعاً للروائح الكريهة”.