اسطنبول ـ القامشلي ـ نورث برس
تطورات متسارعة تشهدها منطقة إدلب في الشمال السوري، على صعيد التطورات الميدانية وعلى صعيد التحركات الدبلوماسية السياسية، إلا أن العنوان الأبرز لتلك التطورات هو "تقدم قوات الحكومة السورية في عدة نقاط استراتيجية بريف إدلب.
وتتوجه الأنظار سياسياً إلى القمة الرباعية المزمع عقدها في تركيا والتي من المقرر أن تجمع إضافة لتركيا كلاً من فرنسا وروسيا وألمانيا، كما تتوجه الأنظار في الوقت ذاته إلى قمة ثنائية تجمع الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين، والملف الأبرز على طاولة الفرقاء جميعهم هو ملف إدلب.
وفي إطار هذه التطورات، رصدت "نورث برس" آراء عدد من المحللين السياسيين والعسكريين حول ملف منطقة خفض التصعيد الرابعة إدلب، وما هو المتوقع من التحركات السياسية والميدانية بذات الوقت.
تركيا تختبر روسيا
وقال الباحث في المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام، النقيب رشيد حوراني، إن الأمور في الشمال السوري تتطور "بالتدريج البطيء" بين الطرفين.
ونفذت تركيا عمليتين عسكريتين باتجاه بلدة النيرب وزودت الفصائل بـ (مضاد الطيران)، "وهي بذلك اختبرت الموقف الروسي وأرسلت رسائل له مفادها أنه في حال عدم الالتزام بما تم الاتفاق عليه في سوتشي فإن الأمور مفتوحة على كل الاحتمالات بما يتعلق بالساحة السورية"، بحسب حوراني.
والأسبوع الماضي، منعت تركيا طائرة روسية للشحن الحربي المرور عبر مجالها الجوي، ونوه بعض الخبراء الروس إلى أن تركيا قد تلجأ أيضا لمنع النقل البحري الذي يعبر من البحر الأسود ويعود لروسيا، وإن فعلت تركيا ذلك فإنه سيكون أشبه بحصار يتم فرضه على الحركة الروسية وإمداد قواتها العاملة بسوريا.
وردت روسيا أمس الجمعة، على منع تركيا، حيث أعلن ممثل أسطول البحر الأسود الروسي ألكسي روليف عن توجه فرقاطتين روسيتين تحملان صواريخ كاليبر فائقة الدقة إلى البحر الأبيض المتوسط مقابل الساحل السوري.
وقال إن "الفرقاطتين التابعتين لأسطول البحر الأسود، الأدميرال ماكاروف، والأدميرال غريغوروفيتش، المزودتين بصواريخ كروز فائقة الدقة من طراز كاليبر، عبرتا مضيقي البوسفور والدردانيل التركيين في طريقها باتجاه البحر الأبيض المتوسط".
وقال أيضاً إن هاتين الفرقاطتين سترابطان في البحر الأبيض المتوسط لتكونا جزءا من قوات المجموعة البحرية الروسية الدائمة هناك".
وكانت فرقاطتا "الأدميرال ماكاروف" و "الأدميرال غريغوروفيتش" قد اشتركتا سابقا في العملية الروسية ضد الإرهابيين والجماعات المسلحة قبالة سواحل سوريا.
أوروبا غير جدية
أما فيما يخص القمة الرباعية المزمع عقدها بين الأطراف الأربعة، رأى حوراني أن تصريح الرئيس التركي، يعكس عدم جدية الأطراف التي تواصل معها بتقديم الدعم له ضمن تحالفه معهم في الناتو، ولا يزال دعمهم له ضمن الإطار الشفوي ولم يرتق حتى الآن إلى المستوى العملي المطلوب".
وكان الرئيس التركي، قد قال "نحن نمر بمرحلة يتم فيها انتهاك التقاليد الدولية من أجل توريط تركيا وإحراجها، اتصلنا بماكرون بوتين وميركل وبعدها حددنا خارطة طريق، رسمنا طريقنا ولن نستسلم لمؤامرات القوى العالمية، سنقوم بخطوات أكثر حزماً".
القمة المحتملة
وحول قمة بوتين ـ أردوغان المحتملة، لا يعتقد حوراني، أن القمة بين الرئيسين "سينتج عنها شيء جديد" فالمفاوضات التي جرت في أنقرة ومن ثم في موسكو، ومن ثم اتصال أردوغان ببوتين يوم الجمعة، بحثا فيه تطبيق الاتفاقات المتعلقة بإدلب، "والعمل بهذه الاتفاقات كان يجب أن يضمن عدم سقوط قتلى من الجيش التركي بسوريا"، بحسب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف.
وأعلنت السلطات التركية، أمس الجمعة مقتل /29/ جندياً من الجيش التركي بهجوم شنه الطيران السوري في محافظة إدلب.
وأكدت وزارة الدفاع الروسية، الجمعة، أن القصف السوري في إدلب كان موجها ضد المسلحين "الإرهابيين"، وتبين لاحقا أن صفوفهم ضمت عسكريين أتراك.
وأشارت الوزارة في بيان لها إلى أن الجانب التركي لم يقدم لموسكو معلومات عن تواجد عسكرييه في بليون في إدلب، مضيفة أنه وفقا للمعلومات التي تلقاها مركز المصالحة الروسي في سوريا، لم تتواجد هناك وحدات، ولم يكن مفترضا أن تتواجد أي وحدات تركية في منطقة القصف.
لكن وزير الدفاع التركي خلوصي أكار قال إن استهداف الجنود الأتراك في إدلب، الخميس، جرى رغم التنسيق الميداني مع المسؤولين الروس حول إحداثيات مواقع القوات التركية.
وندد الأمين العام لحلف الأطلسي، ينس ستولتنبرغ، بما وصفه بـ"الغارات الجوية العشوائية للنظام السوري وحليفه الروسي" في إدلب، ودعا إلى "خفض التصعيد".
وأشار حوراني إلى أنه "لا يعتقد أن الناتو سيترك روسيا ويمد لها في الساحة السورية على حساب تركيا"، على اعتبار أن الهدف كان من انضمام تركيا "للناتو" في العام 1952 تحجيم الاتحاد السوفياتي (روسيا الاتحادية).
وكان مسعود حقي، مستشار الرئيس التركي، قد توعد أمس الجمعة، روسيا "بانتقام رهيب" وباحتمال نشوب صدام قاس بينها وبين تركيا بسوريا، وذكّرها بالحروب الماضية بينهما وبأن بلاده مستعدة لمواجهة عسكرية جديدة معها.
العائق الاقتصادي
من جهته رأى الكاتب والباحث في الشأن الروسي، عبد الفتاح أبو طاحون، أنه وحسب معطيات الواقع ومن تركيبة العلاقات الروسية التركية بكل فضاءاتها السياسية والاقتصادية، فإنه يمكن القول إن "الدبلوماسية التركية سعت في الفترة الماضية إلى ترسيخ علاقات اقتصادية قوية مع روسيا تجعل الأخيرة لا تفضل الاحتدام مع تركيا".
وأضاف "رأينا اتفاق ترانزيت الغاز الروسي عبر الأراضي التركي قبل أسابيع، وهو اتفاق اقتصادي ضخم يملي إملاءاته سلبياً على خيار المواجهة، ورأينا اهتمام تركيا بالصناعات الدفاعية الروسية، ما تجسد في صفقة (S 400) واحتمالية شراء المقاتلة الروسية (الحديثة) من قبل تركيا، وكل هذا يجسد الخيار الدبلوماسي في مقابل الحل العسكري والمواجهة".
وأشار أبو طاحون إلى أن "ما يطلبه الأتراك مقبول على الأرض وإذا ما أصروا في مطلبهم ستستجيب روسيا، وهذا لأن مطلبهم لا يخرج عن مضمون اتفاقية سوتشي".
أهداف روسيا تحققت
ويرى، أن روسيا حققت هدفها من التدخل في الحفاظ على النظام السوري، "ولو كان ما تطلبه تركيا يؤثر التأثير الكبير على المكتسبات الروسية وأهدافها المحققة في الحفاظ على النظام من السقوط وتواجدها العسكري لكان الأمر أكثر تعقيداً، لكن ما تطلبه تركيا هو الإبقاء على إدلب وإبعاد قوات النظام عنها"، ما سبق وأن ضمنته اتفاقية سوتشي.
ومنذ عدة أيام تعمل قوات الحكومة السورية على توسيع خارطة السيطرة على عدد من النقاط بريف إدلب الجنوبي، بهدف استكمال السيطرة على المنطقة الواقعة جنوبي الطريق الدولي الممتد من سراقب إلى جسر الشغور مدخل ريف اللاذقية الشرقي، حسب وسائل الإعلام السورية الرسمية.
وترفض موسكو بشدة، حسب مصادر إعلامية تابعة للحكومة السورية ومنها صحيفة "الوطن"، دعوات وقف العملية العسكرية في إدلب، مشددة على أن وقف العملية "لن يكون مراعاة لحقوق الإنسان، بل استسلام للإرهابيين ومكافأة لهم على أفعالهم"، ومجددة التأكيد على ضرورة "القضاء على الإرهاب في إدلب"، وداعية المجتمع الدولي إلى مساهمة حقيقية في مكافحته، حسب الصحيفة.
استعادة السلامة الإقليمية
وعن رأيه في آخر التطورات المتعلقة بملف إدلب، قال الصحفي الروسي المختص في أوضاع الشرق الأوسط، دينيس كوركو دينوف، إنه تجدر الإشارة إلى أن روسيا تساهم في الجيش السوري "لاستعادة السلامة الإقليمية لسوريا والقضاء على بؤر الإرهاب الدولي" وفقًا للاتفاقيات التي تم التوصل إليها في عام 2015 بين فلاديمير بوتين وبشار الأسد.
وشدد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يوم الجمعة على أن "الجيش السوري يملك الحق في محاربة الإرهابيين بإدلب، وموسكو لا تستطيع منع ذلك"، مشيرا إلى أن وزارة الدفاع الروسية أكدت وجود تواصل دائم مع العسكريين الأتراك.
وأشار الصحفي الروسي إلى أن تركيا انضمت إلى هذه العملية في إطار تنسيقات أستانا وسوتشي والتزمت بمساعدة قوات الحكومة وإيران وروسيا في توفير وقف لإطلاق النار في إدلب، ومع ذلك، تم مؤخراً إلغاء الاتفاقية الروسية الإيرانية التركية بسبب رفض أنقرة من جانب واحد الوفاء بالتزاماتها.
وتابع أنه وفقًا للشروط الواردة في الاتفاقيات الأولية بشأن إدلب، كان من المفترض أن تطالب تركيا "بـ (حياة تحرير الشام) والجماعات المسلحة التابعة لها من أجل نزع السلاح الكامل وحلها في فترة زمنية متفق عليها بدقة، ومع ذلك، "حتى الآن لم يحدث هذا"، بالإضافة إلى ذلك، اضطرت أنقرة إلى حظر جميع قنوات تسليم الأسلحة للمعارضة السورية العاملة في إدلب، "لكن هذا لم يحدث، مما أوجد الأساس لتصعيدٍ آخر للصراع".
روسيا "عرضة للخطر"
وقال الصحفي الروسي إن انسحاب تركيا من جانب واحد من صيغ أستانا وسوتشي جعل موقف روسيا كضامن للأمن السوري "عرضة للخطر"، لهذا السبب اعتبرت موسكو نفسها خالية من أي التزامات تجاه أنقرة "وبدأت عمليتها الخاصة لاستعادة النظام إدلب".
وأدى ذلك إلى تضارب المصالح بين فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان، "حيث شعر كل من قادة الدولة بالخداع بنفس القدر"، ومن أجل التقليل إلى أدنى حد من خطر الاشتباك العسكري المباشر بين القوات التركية والروسية، "كان القوة الدافعة الرئيسية وراء العمليات الهجومية في إدلب هي الجيش العربي السوري، الذي لديه دافع كبير للغاية لتحرير المحافظة من الجماعات المسلحة غير القانونية".
وفي العشرين شباط/ فبراير الجاري، شنت تركيا هجومًا على بلدة النيرب بريف إدلب، مما تسبب في قلق شديد من جانب موسكو ودمشق، لأن الحملة العسكرية التركية خلقت خطراً لإعادة سد طرق (M4) و(M5).
وفي الواحد والعشرين من الشهر الجاري وبالقرب من النيرب، حاول الطاقم العسكري التركي إسقاط طائرة روسية من طراز (سو 24)، "مما خلق تهديدًا لظهور (أزمة طائرة) أخرى بين روسيا وتركيا، وكان هذا القشة الأخيرة من الصبر الروسي".
وعندما تم الاحتفال بيوم "المدافع عن الوطن" في روسيا، في الثالث والعشرين من الشهر الجاري، نُفذت الهجمات العسكرية الروسية في المنطقة المجاورة مباشرة لمركز المراقبة التركي في منطقة (شير مغار بريف حماة)، وقامت موسكو ودمشق بأكثر من /18/ هجومًا على مواقع يسيطر عليها الجيش التركي والمعارضة السورية، وفي الوقت نفسه، تغادر موسكو إلى أنقرة كونها ترى أنها "فرصة سانحة" لتحييد النزاع، كما يتضح من المبادرة التي دعمتها فرنسا وألمانيا لعقد قمة حول الوضع في إدلب، حسب الخبير الروسي.
وكان المتحدث باسم الكرملين، ديميتري بيسكوف، قد قال حسب مصادر إعلام روسية، بخصوص عقد القمة الرباعية بخصوص إدلب، إن "الحديث لا يدور عن اتصالات ثنائية، ندرس إمكانية عقد اجتماع متعدد الأطراف، والآن نقوم بتنسيق جداول أعمال الرؤساء"، مضيفا أنه "حتى الآن لم يتم اتخاذ قرار، نظراً لأن المشاركين المحتملين لم يؤكدوا بعد موافقتهم على عقد هذا اللقاء".
ونقلت وكالة "رويترز" عن بيسكوف قوله، إنه "لا تجري حالياً مناقشات لعقد قمة مع فرنسا وألمانيا وإن روسيا لا تبحث سوى عقد قمة بشأن إدلب مع إيران وتركيا، كما أنه لا توجد مناقشات حالياً بخصوص لقاء محتمل بين بوتين وأردوغان".
وأمس الجمعة، أكد الكرملين أن العمل جار على التحضير للقاء محتمل بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين، والتركي رجب طيب أردوغان في موسكو يومي الخامس والسادس من آذار/مارس المقبل.
وقال الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف: "في الوقت الراهن، عقب الاتصال الهاتفي بين الرئيسين اليوم، ندرس إمكانية عقد لقاء قمة في موسكو الأسبوع المقبل".
نقاط التقارب
وفي هذا الصدد قال الصحفي الروسي، كوركو دينوف، إن القمة الدولية صممت بالتنسيق بين الأطراف "الأربعة" لتحديد نقاط التقارب، بشكل أساسي بين روسيا وتركيا، "لكن في النهاية يهتم الطرفان بشدة بسحب قواتهما من بعضهما البعض إلى مسافة آمنة للحد من مخاطر الاصطدامات العرضية"، بالإضافة إلى ذلك، يعتزم رجب أردوغان تسجيل إنجازاته العسكرية في إدلب وضمان أمن مراكز المراقبة التركية، والتي تم حظر العديد منها من قبل الجيش العربي السوري".
وتابع أنه لا يمكن حاليًا حل هذه المشكلات في إطار تنسيقات أستانا أو سوتشي، لأن هذه الأشكال من عملية التفاوض قد فقدت أهميتها بالفعل، وفي هذا الصدد فإن روسيا وتركيا، بدعم من الاتحاد الأوروبي ممثل بفرنسا وألمانيا، "مهتمتان بتحديد قواعد جديدة للعبة وشروط التعايش في سوريا".
ومع ذلك، حسب المصدر ذاته، من المثير للجدل إلى حد كبير أن اللجنة الرباعية الدولية ستنجح في تحقيق السلام في سوريا، حيث لا يتمتع أي جانب بفعالية كافية على المعارضة السورية العاملة في إدلب، لهذا السبب، وبعد نتائج الاجتماع القادم، "سيكون من الممكن الاتفاق فقط على هدنة مؤقتة، والتي سيتم استخدامها حصريًا من قبل جميع أطراف النزاع لإعادة تجميع القوات".
وفي رد على سؤال ما الذي تريده روسيا من إدلب قال الخبير الروسي، إن روسيا تسعى إلى تحقيق الهدف الوحيد في سوريا وهو ضمان سيادة دولتها على كامل الأراضي داخل الحدود، وموسكو ليس لديها أهداف أخرى ولا يمكن أن تكون، وبما أن الجماعات المسلحة تتركز الآن في إدلب، والتي لا تقوض سلامة أراضي سوريا فحسب، بل تشكل أيضًا تهديدًا لأمنها القومي، "تعمل روسيا في هذه المنطقة لقمع آخر بؤر معارضي النظام السوري".
ويرى خبراء روس، أن موسكو تتمتع بكل الحق بناءً على طلب النظام السياسي لدمشق الرسمي لضمان أمن سوريا داخل الحدود التي كانت موجودة قبل عام 2011، نظرًا لأن محافظة إدلب جزء لا يتجزأ من الأراضي السورية التي تعمل عليها جماعات مسلحة غير شرعية، فإن موسكو مع القوات الحكومية السورية تشارك بنشاط في هذا المجال بهدف القضاء على النزاع.