فيتشر

امرأة في دير الزور تمتهن صناعة التنور وسط نقص كميات الخبز المنتج آلياً

دير الزور- نورث برس

تنهمك فوازة الأحمد (40 عاماً) في معاينة عجينة الطين (الصلصال) المغلفة بقطعة نايلون في ساحة دارها ببلدة أبو حردوب، 80 كيلومتراً شرق مدينة دير الزور شرقي سوريا، استعداداً لاستكمال العمل في ثلاثة تنانير للخبز بدأت العمل بها في وقت سابق.

وكل صباح قبل أن يستيقظ أطفالها، تتأكد المرأة من تخمر الطين وسلامة ما أنجزته سابقاً، لتستكمل مرحلة أخرى ممن بناء التنانير الطينية.

وما يزال الفرن اليدوي البدائي (التنور) مستخدماً في منطقة دير الزور وأرياف سورية أخرى، لا سيما مع نقص الطحين وتراجع إنتاج الخبز في الأفران عقب تدهور إنتاج القمح الذي فاقم من تداعياته عام جفاف سابق.

ومنذ أكثر من 15 عاماً، تعلمت “الأحمد” هذه المهنة حين كانت غالبية النساء الريفيات يمتلكن المهارة لصنع تنور خاص بعائلاتهن، وتتعلم الشابات اللواتي يساعدنهن الحرفة شيئاً فشيئاً حتى الإتقان.

تقول لنورث برس إنها تستيقظ فجراً “على صياح الديك” لتبدأ بعملها الذي لا تستغني عنه.

وتعيش في بلدة أبو حردوب 3.600 عائلة تضم نحو 28.800 فرداً، وتحتوي فرنيين آليين للخبز، بحسب مجلس الفرات في المنطقة الشرقية التابع للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا.

ويعتمد من لا يحبذون الفرن المنتج آلياً أو من لا يتمكنون من الحصول عليه على خبز التنور الطيني، و منهم من يستخدم خبز الصاج الرقيق.

ويقوم السكان بطحن بذار القمح من نتاج محاصيلهم الزراعية للحصول على الطحين أو يشترونه من الأسواق التجارية.

ويصل سعر كيس الطحين (سعة 50 كيلوغراماً) في أسواق دير الزور إلى نحو 97 ألف ليرة سورية.

أعباء عائلة

وبما أن صناعة التنور لا تستكمل على دفعة واحدة وتحتاج إلى مراحل عمل بفواصل زمنية طوال ساعات وأيام، توفّق ربة المنزل  وقتها لرعاية أطفالها وعملها، فبعد معاينة الطين وإنجاز مرحلة عمل صباحاً تهرع لإعداد الإفطار لأطفالها قبل توجههم إلى المدرسة.

و”الأحمد” هي أم لتسعة أطفال يبلغ أكبرهم 13 عاماً وتجاوز الأصغر عامه الأول.

وتعتمد العائلة بشكل أساسي على ما يتقاضاه زوجها من أعمال بأجور يومية لا تكون متوفرة كل يوم، لا سيما مع توقف أعمال البناء شتاء، وتراجع مشاريع الزراعة في المنطقة.

ويعمل زوج “الأحمد” في ساحة بلدة غرانيج،  90 كيلومتراً شرق دير الزور، ويحاول تدبر احتياجات عائلته رغم قلة الأجور التي يتقاضاها.

لكن الغلاء الذي يفاقم المعيشة يوماً بعد آخر يجعل كل مورد دخل مهماً للعائلات في سوريا عموماً.

تقول المرأة إنها لا تستطيع أن تبتعد عن أطفالها الصغار للعمل خارج القرية، “فخطر لي أن أستغل مهارتي في صناعة التنور، وبدأت العمل بالفعل”.

وتتقاضى” الأحمد” عشرة آلاف ليرة سورية عن كل تنور تبيعه، وبحسب كل زبون، فإن كان ميسور الحال يدفع ثمنه دون تفاوض، أما أصحاب الدخل المحدود فتقبل بثمانية آلاف.

وتتمكن المرأة من بيع عشرة تنانير على الأقل خلال أشهر الصيف، بينما يتناقص العدد مع حلول البرد وموسم الأمطار.

وهذا العام، أدى الازدحام  على الأفران الآلية في ريف دير الزور بسبب نقص كميات الطحين المخصص للأفران، لازدياد الطلب على شراء التنانير الطينية.

 تراث لا يستغنى عنه

لكن وحتى في أوقات توفر الخبز المنتج في الأفران، تفضل بعض العائلات، لاسيما التي تضم كبار سن، خبز التنور أو الصاج على المنتج آلياً.

وتعتبر بعض النساء في ريف دير الزور أن العمل في صناعة التنور أو صناعة الخبز بالطرق الشعبية حفاظ على تراث المنطقة، إلى جانب كونه وسيلة لحل مسألة الازدحام على الأفران ومصدر دخل لبعض العائلات.

ومنذ كانت في الخامسة والعشرين من عمرها، تعلمت “الأحمد” مهارات صناعة التنور إلى أن أصبحت تتقنه، معتبرة أن نجاحها هو نتيجة “لدافع وإصرار منها”.

تقول: “أحاول بكل جهد ألا تضيع تقاليدنا القديمة، أحب هذا النوع من الأعمال المنزلية التراثية.”

 وتضيف: “بالتأكيد خبز التنور أفضل من حيث طعمه ونظافته ونكهته ولذته ورائحته”.

وتستذكر المرأة أيام شبابها وما تسميه “بحفلات الخبز التي يتشارك فيها سكان القرية، كانت صحون السمسم والفلفل الحار تُفترش على جنبات التنور، ثم نجهز الفلفل الأحمر لدهن بعض أرغفة الخبز، ونؤمن ما يكفي من الخبز ليوم أو يومين.”

ومن جانبها، تقول غزالة العبد الله (37 عاماً)، والتي تعيش في الطرف الآخر من القرية ذاتها، إن مهارة وإتقان فوازة في صنع التنانير إلى جانب معاملتها الجيدة جعل الزبائن يقبلون عليها خاصة.

وتضيف أنها أشترت منها تنوراً بثمانية آلاف ليرة العام الماضي بعد أن أصبح الحصول على خبز الأفران الآلية صعباً، ومازالت تستعمله حتى الآن كلما احتاجت إليه.

إلا أن غالبية الجيل الجديد يفضلن الاعتماد على خبز الأفران الآلية بدل العناء الكبير الذي يلزم لتحضير خبز التنور أو الصاج، بحسب نساء في أبو حردوب.

أعمال يدوية دقيقة

ويستغرق صناعة التنور الواحد نحو ثلاثة أيام، ويصل طول قطر فتحته من الأعلى نحو 80 سنتيمتراً، وقطر قاعدته من الأسفل نحو متر واحد وبارتفاع متر واحد تقريباً، مع تفوت نسبي في الأحجام  بحسب طلب كل زبون.

وتجلب صانعة التنور التراب المخصص للصلصال الذي يتميز باللون الأحمر من أطراف القرية.

وتحتاج صناعة التنور نوعاً خاصاً من التراب حيث يتم غربلته وجبله مع القش والتبن، “وهي عملية صعبة للغاية خصوصاً أني اصنعه لوحدي دون مساعدة أحد”.

وتصل تكلفة التراب للنقلة الواحد 25 ألف ليرة سورية، وهي تكفي لصنع نحو 20 تنوراً.

ويُترك الطين المجبول مع التبن والقليل من الملح لمدة يومين أو ثلاثة حتى يتماسك ويتخمّر ويصبح صلباً.

وتعجن فوازة الأحمد الطين وتقلّبه بشكل جيد بعد التخمير ليبدأ تأسيس التنور على مراحل، ويفصل بين كل مرحلة عدة ساعات حتى يجف ويتماسك، بحسب ما تروي “الأحمد”.

ومع الانتهاء من صنع التنور يجب صنع “الكارة”، وهي قطع من القماش محشوة بإسفنجة أو أقمشة ويتم تخييطها مع ممسك للتحكم برغيف الخبز أثناء لصقه داخل التنور.

تستكمل فوازة الأحمد آخر تنانير خبز تصنعها هذا الموسم، فالشتاء بلغ ذروته ولا تأمن سلامة الطين بعد اليوم بسبب احتمال سقوط أمطار أو حلول صقيع.

إعداد: أنور الميدان ـ تحرير: عمر علوش

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى