الرئيسيثقافةسوريا

جسر الرئيس في دمشق.. حينما يختصر المكان بؤس البلاد

دمشق- نورث برس

تماماً في قلب العاصمة دمشق، يقع جسر الرئيس حافظ الأسد. هنا بالإمكان رؤية الناس وأنماط حياتهم في مشاهد تختصر الوضع القاتم في البلاد برمتها.

والجسر الذي أنشئ في العام 1992 نقطة وصل بين منطقتي البرامكة وأبو رمانة. يقطع الشارع الخارج من ساحة الأمويين باتجاه جسر فكتوريا في شارع الثورة، ويعتليه فندق فور سيزون وقصر الضيافة ومبنى جامعة دمشق. ويطل مباشرة على مجرى نهر بردى.

 ثمة وجوه متعبة في المكان. عشاق من الجامعات، وآباء يركضون خلف الحافلات الصغيرة ليستندوا على ساق أو كتف أيٍّ كان للوصول لمنازلهم بأقل تكلفة.

والجسر بالنسبة لأمهات ملاذ للهروب من غلاء أسواق أخرى فهنا بسطات تبيع القطعة بألفين، حجاب للابنة أو جوارب للأطفال، ولا حاجة للفقراء للتدقيق في الماركة أين تم إنتاجها وما مصدرها؟

بل إن تاريخ صلاحية علبة البسكويت لن يعود مهماً ما دام السعر ألف أو اثنان.

وهو بالنسبة لآخرين الخط الفاصل بين نمطين للحياة، في المالكي وأبو رمانة من جهة والبرامكة من الجانب الآخر، رغم أن قوافي الكلمات قد تتساوى في اللغة المحكية هنا بين “المالكي والبرامكي”.

وجوه غدت ملامحاً

يتذكر بائع خمسيني 30 عاماً سابقة قضاها أمام بسطة لبيع الكتب، “الحياة كانت منظمة أكثر وعدد الناس أقل، لكن وجوههم كانت تحمل قدراً من الإشراق”.

يقول الرجل إن الآباء والأمهات والموظفين آنذاك كانوا يحملون يومياً مؤناً للمنازل، ولا يتصارعون على مقعد سرفيس أبداً، فالانتظار لم يكن ليتجاوز الدقائق، “أما الازدحام الحقيقي فكان عندنا”، في إشارة إلى بسطات الكتب.

في السابق كان الجسر أنظف بكثير مما هو عليه الآن، رغم أنه ينقل الناس من شرق العاصمة لغربها وبين شمالها وجنوبها، تختلط روائح العطور مع الروائح الكريهة، ورغم ذلك تطفو رائحة الورق العتيق أحياناً، وخصوصاً في الشتاء.

تحت الجسر ثقافة لكل الناس دون تمييز، الأدب والفن حاضران والدين والسحر والطبخ، كتب المدارس وقصص الأطفال.

لكن مهلاً، ثمة استثناءات هنا. إن كنت تبحث عن كتاب يناهض السلطة فلا تتكلف عناء البحث بين أكوام الكتب.

في هذه الحال عليك أن تهمس في أذن البائع الحذق “بلاقي عندك نسخة من رواية القوقعة أو سوريا في عهدة الجنرال الأسد أو سوريا الدولة المتوحشة”.

   

وبالرغم من كل ذلك حاول متطوعون أن يغيروا ملامح تعب الجسر، بمبادرات قاموا فيها بتلوين أعمدته وجدرانه، لكن الأمر لا يطول حتى تلوثها من جديد عوادم السيارات، إلى جانب مراهقين هوايتهم اتخاذ الجدران مكاناً للكتابة و”للخربشات”.

وأزال مجلس محافظة دمشق، لأكثر من خمس مرات، البسطات من على الجسر بذريعة تسببها “بتلوث بصري”، لكنها عادت كل مرة لتغيث من لا يستطيعون الشراء من أماكن أخرى.

وثمة من يقول إن عدداً كبيراً من أصحاب البسطات هم عيون السلطات الأمنية يراقبون المارة ويخبرون عن أي تحرك يثير الشكوك، فالتلوث البصري بدعة ضالة في ميزان المخابرات والمخبرين.

وما بين أسفل الجسر وفوقه، يزدحم درج بكل أشكال التحرش، بقصد وغير قصد، بلفظ أو لمس، لتنتهي الدرجات غالباً بوجه متسول تتغير هيئته بحسب السنين، متسولون لم تنتبه لهم الحكومة فهرموا هنا.

وفي زاوية ما من هذا الصخب يبيع محمود محمد (30 عاماً)، وهو اسم مستعار لشاب يتحدر من مدينة حمص، زينة وإكسسوارات تقليد (فالصو).

يقول إن أكثر ما يبيعه خواتم ومحابس خطوبة لفتيان وفتيات، “وقد ترتدى شهراً أو لأعوام”.

وللشاب زبائن من طلاب الجامعات “صاروا أصدقاء”، ثم يحمد الله على أنه لم يتم التعليم لأن الطلاب في هذه البلاد “يتعلمون ويتعلمون دون أن يمتلكوا ثمن الخبز”.

حرب ومزيد من الراحلين

وينتهي الجسر بإطلالة على الفندق الأبيض الفخم (فور سيزون) من جهة الشرق، هنا أول حي أبو رمانة حيث يتغير المشهد، وجوه الناس مختلفة، نوع السيارات مختلف وكذلك هيئات البشر، والوجوه المطلة من الشرفات أقل تعباً مما ستراه إن سرت باتجاه البرامكة حيث الضجيج يملأ الأرجاء كحال البلاد.

وفي الجهة المقابلة قرب وكالة الأنباء الحكومية (سانا)، بائع حلويات ستيني يجلس في الزاوية.

يذكر مرحلة الثمانينات من القرن الماضي، يوم كان باب كلية الحقوق رمزاً للثقافة والاحتجاجات، يذكر وجوه  أساتذة الجامعة القدامى ويترحم على من رحل منهم.

ويقف وجهاً لوجه مع ساعين لرحيل آخر، طوابير شبان وشابات تزدحم أمام مبنى الهجرة والجوازات، جوازات تمكنهم من العبور خارج البلاد وبعيداً عن جسر يختصر بؤسها.

وخلال أكثر من عقد من الحرب، شهد الجسر على تفاصيل مآسٍ، حمل إسفلته القاسي سيارات إسعاف وناقلات جند، هرول فوقه فارون من القذائف التي لم تترك مكاناً في دمشق دون ندباتها.

والشهر الفائت، شهد الجسر تفجيراً لحافلة عسكرية قضى فيه 14 شخصاً وأصيب آخرون.

وتحت الجسر، ازداد عدد “مجانين الحرب”، يجلسون على المقاعد وكأنهم زعماء المكان، فهذا السقف ملجأ من لا ملجأ له أيضاً.

بينما يأمل بائعو بطاقات اليانصيب إقناع المارة بخوض تجربة الحظ رغم اختبارهم لحظهم العاثر مراراً في هذي البلاد.

وتحت الجسر، أنهى قارئ تفحص كل عناوين الكتب، تصفح نحو عشرة منها واشترى ثلاثة، ليهمّ بالمغادرة بعد أن أتعبه الوقوف وسط أكوام العناوين.

بعد خطوات يُبطء ليترحم على “أبو طلال” الذي ظل مكانه شاغراً بين بائعي الكتب، “مضى عام على وفاته. مات من مات وسافر من سافر، وبقي الجسر وبقي معه نجل الرئيس”.

إعداد: ذهب المحمد – تحرير: حكيم أحمد

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى