القامشلي ـ نورث برس
اضطر عبدالله العيسى (39 عاماً)، وهو من مزارعي ريف القامشلي شمال شرقي سوريا، لشراء ستة أطنان من بذار القمح من السوق بقيمة تسعة ملايين ليرة.
وأعاد المزارع ذلك، لعدم تمكنه من الحصول على مستحقاته من مراكز التوزيع التابعة للإدارة الذاتية لهذا العام.
ويملك “العيسى” أرضاً تبلغ مساحتها 31هكتاراً، في قرية “كفر سبي” التابعة للقامشلي، وتحتاج لحوالي تسعة أطنان من البذار.
كمية البذار التي اشتراها الرجل والبالغة ستة أطنان لا تكفي لزراعة كامل المساحة، إذ يحتاج لثلاثة أطنان أخرى “لم يعد يملك ثمنها”، بسبب غلائها في السوق خلال الأيام القليلة الماضية.
وعلى أمل هطول أمطار خريفية تساهم في موسم وفير يعوض خسائرهم التي تكبدوها خلال العام الماضي، يسارع المزارعون لتجهيز الأرض وتحضير البذار.
“وهي عملية متعبة ومكلفة”، وفقاً لمزارعين، إذ يحتاج الدونم الواحد من المساحة المروية، إلى أكثر من 30كيلو غرام من البذار، وأكثر من خمسة ليترات من المازوت لحراثة الأرض وتجهيزها.
تكاليف مرتفعة جداً
ويواجه معظم المزارعين صعوبة في تأمين تكاليف تلك المستلزمات في ظل الخسائر الكبيرة التي تكبدوها العام الماضي، جراء موجة الجفاف التي ضربت المنطقة والتي أدت لفقدان معظم المحاصيل البعلية ومضاعفة تكاليف المروية.
ووصل سعر الكيلو غرام الواحد من بذار القمح في السوق الحرة إلى 1700 ليرة، بعد أن كان بحدود 1200 ليرة بداية العام.
فيما بقي سعر الكيلو من البذار في مراكز التوزيع التابعة للإدارة الذاتية 1200 ليرة.
ويتوقع تجار ومزارعون أن يتخطى السعر في السوق الحرة الـ 2500 ليرة، مع بداية هطول الأمطار الخريفية وبدء المزارعين بمرحلة البذار.
وفي العاشر من أيلول/سبتمبر الماضي، بدأت مراكز الزراعة التابعة للإدارة الذاتية بتوزيع بذار المحاصيل الشتوية الرئيسية تحضيراً للموسم 2021 ـ 2022.
ويعاني مزارعون من صعوبة تسجيل الطلبات على البذار، وكثرة الأوراق المطلوبة والأزمة المتزايدة على مراكز التوزيع، مما دفع بعضهم للتوجه للسوق الحرة لتأمين احتياجات أرضهم.
ويقول عيسى فرمان علي (62عاماً)، من سكان قرية سيجوا، إنه لم يستلم مخصصاته من البذار إلى الآن، وذلك بعد قرابة شهر على تقديمه للطلب.
ويُمضي المزارعون أياماً في تسيير طلب الحصول على البذار والمازوت، وذلك بسبب الأزمة في مراكز التوزيع، وعدم قدرة المراكز المخصصة على تلبية طلبات جميع المزارعين، بحسب “علي”.
ووزعت المراكز البذار والمازوت لعدة أيام فقط، ليتوقف التوزيع فجأة دون أن يتم توضيح السبب للمزارعين.
ويحتاج “علي” إلى طنين من البذار التي يقدر ثمنها بأكثر من ثلاثة ملايين في حال اشتراها من التجار، ويعتبر هذا المبلغ كبيراً جداً و”فوق قدرته”.
مخصصات غير كافية
ويشير مزارعون استلموا مخصصاتهم من البذار إلى أن كميتها المخصصة حسب الخطة الزراعية المقررة لهذا العام من قبل هيئة زراعة “قليلة جداً”، ولا تغطي كامل مساحة أرضهم.
وتغطي مخصصات مراكز التوزيع نسبة 70% فقط من مساحة الأراضي.
وتقضي الخطة الزراعية لهذا العام، بحسب مسؤولي الزراعة في الإدارة الذاتية، بتخصيص 70% من المساحات المروية لزراعة القمح و30% للمحاصيل الأخرى حسب رغبة المزارع، “ويتم توزيع البذار وفق هذه الخطة”.
لكن مزارعين يقولون إن زراعة باقي المحاصيل تتسبب بخسائر لهم، فيضطرون لاستكمال كمية بذار القمح من خلال شرائها من السوق، وبفارق سعر وصفوه بـ”الكبير”.
ويقول المزارع “العيسى” إنه لن يزرع سوى القمح حتى لو اضطر لاستدانة ثمن بذاره.
وقالت نسرين خليل الرئيسة المشاركة للإدارة العامة للزارعة، إنهم وزعوا ثمانية آلاف طن من البذار على مزارعي منطقة القامشلي، قبل أن يتوقف التوزيع بسبب الضغط الزائد على المراكز.
وبحسب “خليل”، “سيُستأنف التوزيع في أقرب وقت بعد استكمال عملية تعقيم البذار المستمرة”.
ويتم التنظيم الزراعي وفقاً لـ”خليل” بحسب مساحة الأراضي الموجودة لدى كل مزارع، تطبيقاً للخطة الزراعية الصادرة عن هيئة الزراعة في عام 2021.
ويتم تقديم طلب من المزارع إلى المراكز المتوزعة في جميع المدن والنواحي مع الأوراق المطلوبة، ليستلم مذكرة تسليم مواد.
وتتضمن مذكرة التسليم كلاً من “البذار والسماد والمحروقات اللازمة للمزارع حسب مساحة أرضه”.
وأشارت “خليل” إلى أنهم خصصوا 32 كيلو غرام من بذار القمح القاسي، و30 كيلو غرام من القمح الطري للدونم الواحد للمساحات المروية، و22 كيلو غرام للدونم الواحد، للمساحات البعلية.
نقص مخصصات المازوت
كما يعاني المزارعون أيضاً من قلة كمية مادة المازوت المخصص للأراضي المروية.
ولا يحصل المزارعون على كامل الاستحقاقات الشهرية البالغة 35 ليتراً من مادة المازوت للدونم الواحد، بل يتم منحهم كمية 15 ليتراً فقط.
ويقول “علي” إن مادة المازوت هي العامل الأساسي لإنجاح الزراعة المروية، “لأن مضخات المياه تحتاج إلى كميات كبيرة منه”.
ويلجأ “علي” للريّ الحديث بالرذاذ بسبب عدم توفر اليد العاملة للسقاية من الآبار.
لكن هذه العملية تحتاج إلى تشغيل مولدة خاصة بها، وإلى كمية “كبيرة” من المازوت، يقدرها بثلاثة آلاف ليتر شهرياً.
وكمية المازوت التي يحتاجها المزارع لا يستلم منها “سوى1500 ليتر فقط شهرياً”، كمخصصات أرضه التي تقدر بمئة دونم.
وبحسب “علي” فإن ارتفاع سعر الدولار أمام الليرة السورية أيضاً أدى لارتفاع سعر السماد والأدوية الزراعية مقارنة بسعر المحاصيل.
وهذه الأسباب مجتمعة أدت لتراجع الزراعة، وفقاً لـ”علي”.
والعام الماضي قررت إدارة المحروقات بإقليم الجزيرة التابعة للإدارة الذاتية زيادة كميات المازوت المخصصة لريّ الموسم الشتوي من 15 ليتراً إلى 20 ليتراً للدونم بالنسبة للآبار السطحية ومن 25 ليتراً إلى 35 ليتراً بالنسبة للبحرية.
وبحسب الرئيسة المشاركة للإدارة العامة للزارعة، “خصصت دائرة الزراعة لحراثة الأراضي المروية هذا العام كمية خمسة ليترات للدونم الواحد، وليترين لحراثة الأراضي البعلية”.
أما بخصوص الريّ فقد بقيت المخصصات كما العام السابق، بحسب “خليل”.