آراء وتحليلاتالرئيسيشورش درويش

أصداء الانتصار الطالبانيّ في سوريا

شورش درويش

في حيّز ما تقع سوريا على خط الصدع الأفغاني، ذلك أن سوريا معنية بدرجة أو بأخرى بما آلت إليه الظروف في أفغانستان نظراً للوشائج التي تربط القوى الإسلامية الراديكالية في سوريا بحركة طالبان عبر العلاقة التي أسس لها منتدبو تنظيم القاعدة في سوريا والافتتان المتواصل بحقب الجهاد الأفغاني، وهو الأمر الذي يفسّر السعادة الغامرة التي ملأت قلوب جهاديي سوريا عبر التكبيرات في مساجد إدلب التي يسيطر عليها تنظيم القاعدة أو جبهة النصرة باسمه الموارب الجديد  “هيئة تحرير الشام”، وإذا كانت السعادة بالسيطرة الطالبانية على العاصمة كابل قد مرّت بالمناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلّحة إلّا أن الوضع مختلف بالنسبة للنصرة التي يبدو أنها تزوّدت بمدد معنوي مهم منحته إياها انتصارات طالبان وانكفاء الأميركان وسقوط الحكومة الأفغانية الهشّة.

قبيل سقوط كابل، ألمح زعيم جبهة النصرة “أبو محمد الجولاني” إلى مطالب مزعومة قدّمها له مدنيون في منطقتي “درع الفرات وغصن الزيتون” اللتين تسيطر عليها ميليشيا المعارضة، فيما المطالب تتمحور حول رغبة السكان في بسط سيطرة تنظيمه هناك، نظراً للفلتان الأمني الذي تشهده تلك المناطق، وقد جاءت مزاعم الجولاني مترافقة مع التقدّم المتسارع لقوّات طالبان واندفاعها نحو كابل.

بالنظر إلى تلميح الجولاني فإننا قد نكون أمام مسألتين متلازمتين، تتمثّل الأولى في توحيد الفصائل تحت لواء قواته وبما قد يخلّصه من النبذ الدولي المتصل بتوصيفه فصيلاً “إرهابياً”، ولأجل ذلك كانت محاولات النصرة في التوسعة السابقة وتغيير اسم التنظيم للتخلّص من صفة “الإرهاب”، أما الغاية من “التوحيد” والضم فهي مجاراة نموذج حركة طالبان التي كرّست معاركها المديدة حضورها بحكم الأمر الواقع بوصفها قوّة مركزية، ثم كرّست سيطرتها شبه المطلقة الاعتراف بها حاكماً مقبلاً ومؤكّداً لأفغانستان، وفضلاً عن هاتين المسألتين فإننا نعثر كذلك على تحالف، غير معلن، بين النصرة ودعاة إسلاميين “سوريين” يدعون إلى الإجهاز على أنشطة النسويات في الداخل، وهي مسألة وثيقة الصلة بمنهج الجولاني القائم على احتكار السلاح والسيطرة على المجتمع.

ورغم أن سوريا تتأثّر بما حدث في أفغانستان إلّا أن الفوارق البيّنة بين الحالتين لجهة تمايز النموذج الأفغاني من حيث البنية القبلية المتماسكة الداعمة لطالبان وطبيعة الجغرافية الأفغانية الواسعة والوعرة وغياب الدعم الإقليمي للحكومة وسرعة تهاوي قواتها لحظة غياب الغطاء الأميركي والأهم من ذلك يكمن في المتن الديني لجماعة طالبان الديوباندية الراسخة كمدرسة دينية تتبنى العقيدة الماتريدية ولها مشايعوها في أوساط أفغانية واسعة، إلّا أن هذه التمايزات وسواها لا تكاد تعني الجماعات السلفيّة الجهادية في سوريا، لا سيما جبهة النصرة، التي تبقى أقرب إلى تنظيمات الجهاد العالمي منها إلى الحركات المحلّية؛ ورغم أدوارها المحلّية المقتصرة على سوريا، فإنها تبقى من قماشة التنظيمات القادرة على استقطاب المجموعات الجهادية من شتى بقاع العالم وإخفائها في جوف التنظيم الذي يراد له أن يبدو سورياً في شكله الخارجي، في حين أنّها غير مقنعة للمحكومين وترتبط درجة إقناعها بوصفها سلطة أمر واقع تتوسّل العنف والقوة العارية.

أما في مجال التماثلات فإنّ الجماعات الجهادية السورية، كما في الحالة الطالبانية الراهنة، تبدي مقداراً وافياً للبراغماتية فيما يشبه القطيعة مع ماضيها الدوغمائي وشديد التصلّب لكن الغالب على الظن أنها براغماتية مؤقّتة ومرهونة بتمكّن تلك الجماعات من الحكم، وبذا تساهم البراغماتية المتصلة بالمراوغة وإخفاء العداء المضمر للغرب والجماعات الطائفية والديمقراطية ودعاتها وقيمها، لكن المسألة الفاضحة رغم محاولات إظهار “الاعتدال” تبقى مسألة احتقار تلك الجماعات الراسخ والأصيل للنساء. هذه البراغماتية الطارئة تفسّر التبدّلات التي يبدها الجولاني مثلاً في كلامه وهندامه وهندسته لجماعته التي ما تزال شديدة الغموض.

نجاح حركة طالبان، أو فشل مشروع الدولة المبنيّة بإرادة خارجية، فوق أنه ملهم للجماعات الجهادية في تقفي أثر الحركة وتقليد أساليبه في المراوغة وإظهار البراغماتية، ولعل الحدث الأفغاني في مجمله يمكن أن يكون مقدّمة لـ”ربيع جهاديّ” في عديد من البلدان، وقد يجد صداه في سوريا، يأتي ذلك بالتوازي مع رغبة دول عربية وإقليمية (تركيّة) في نقل الحرب إلى مستوى أشد تدميراً وعدميّة، ورغم استحالة نجاح السلفية الجهادية في تحقيق نصر مبرم على النظام وروسيا وإيران، وعلى الجماعات الأهلية السورية، الطائفية والإثنية، إلّا أنّ احتمالات تحويل منطقتي سيطرة النصرة وميليشيا المعارضة إلى إمارة إسلامية بات في الحسبان.

من بين المسائل الأساسية، التي تسعى إليها الجماعات الجهادية والنصرة على وجه التحديد ضمن مسعى تركيّ في تعويمها، تأتي مسألة إقناع الولايات المتحدة بجدوى الاعتماد عليها في مسار التضييق على روسيا وإيران وإرهاق النظام، وأنها لن تسعى إلى الإضرار بمصالح واشنطن ودورها في المنطقة حال انسحابها، وأنها في الوقت عينه وعبر نظرية دمج كل الفصائل تحت لواء قيادة مركزية ستتمكّن من الحؤول دون إنتاج تنظيم داعش مجدداً. لكن في المقابل، ليس هناك ما يغري الولايات المتحدة لتبديد تحالفها مع قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في مسار مكافحة الإرهاب، ذلك أن قسد ليست كحال القوّات الحكومية الأفغانية التي وصفت قبيل سقوط العاصمة بالقوات القادرة على الدفاع عن الدولة والحكومة والشعب، كما أنّها ليست بالقوات المتطلّبة قياساً إلى الجيش الأفغاني الذي أنفقت واشنطن في سبيل إعداده مليارات الدولارات، إضافةً إلى أن أميركا فقدت شهيتها في استنباط سياسة الثمانينيات الأفغانية وتحطيم روسيا في سوريا بالاعتماد على حركات الجهاد الإسلامي.

في الأثناء، نعثر على أصداء الحدث الأفغاني في سوريا، والذي يأتي على هيئة تصوّرات مربكة: خوف من انسحاب أميركي يذلل الطريق أمام الجهاديين. قسوة وعنف إسلاميين تجاه المجتمع وإعادة إنتاج مجتمعات على هدي ما أنتجته طالبان. صدام وعنف عدمي في مواجهة مثلث النظام وروسيا وإيران من جهة ومواجهة الإدارة الذاتية وقسد من جهة أخرى؛ أما المخاوف الأوضح فهي متصلة باحتمالات إنتاج نسخة ملفّقة سورية عن طالبان، والتي باتت تسري في غير مكان في سوريا وخارجها.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى