آراء وتحليلاتالرئيسيمحمد حبش

الليبرالية الجديدة

في لقائه بالمشايخ تحدث الرئيس السوري عن أكبر مشكلة تواجه سوريا اليوم، ولم تكن بالطبع تشريد عشرة ملايين سوري ولا تدمير مئتي ألف مسكن ولا الماء ولا الكهرباء ولا الوقود ولا الفساد، ولا هبوط سوريا إلى رتبة أفقر بلد في العالم. فهذه كلها تفاصيل هامشية لا بد منها في معركة المقاومة والممانعة والصمود في وجه المؤامرة، ولكن المشكلة الأكبر والخطر الأكبر هي الليبرالية الجديدة، ووجود منظمات نسائية تعمل مع الأمم المتحدة لنشر الرذيلة والجندر والشذوذ في الشعب السوري.!

وعلى الفور أصدرت وزارة الأوقاف التعميمات والبلاغات المطلوبة ونماذج الخطب المناسبة ليشن الخطباء سلسلة ضارية من الخطب النارية ضد الليبرالية الجديدة أكبر عدو لسوريا وأكبر خطر يهدد الحضارة السورية العظيمة.

وانتشرت العمائم خلال ساعات على المنابر والفضائيات والصحف وفي المراكز الثقافية ونفر الواعظون خفافاً وثقالاً، وجاهدوا ضد الليبرالية الجديدة التي لم يكونوا قد سمعوا باسمها قبل أيام معدودة، وانكشفت على الفور المخططات الصهيونية الامبريالية الماسونية التي تستهدف كيان الوطن الهادئ بالمؤامرة الكونية القائمة على نشر الرذيلة والفحشاء تحت اسم الليبرالية الجديدة وتحرر المرأة والجندر.

وأكد الخطباء للناس أن فقد الماء والكهرباء وهرب الأولاد وتشريد نصف الشعب السوري، واعتقال الشباب ودخول ستة جيوش أجنبية إلى الوطن ليست إلا مشاكل هامشية لا يجوز أن تشغلنا عن التحدي الحقيقي الذي يواجه سوريا في هذه الأيام العصيبة وهو الليبرالية الجديدة!!

الخطر الأعظم إذن هو تلك الأقلام الحرة التي لا تلتزم نهج السلف! وتلك الصيحات النسائية التي تطالب بتحرر المرأة وتمكينها وتخرجها من أجواء (باب الحارة) الملفوفة بالحشمة والفضيلة والعفاف، إلى أجواء الجامعة المختلطة والأوبرا الوطنية ومعاهد الفن التي لا يراها هؤلاء الخطباء إلا مراكز الفحشاء والرذيلة.

وإذا كنت لا تعرف ما هي الليبرالية الجديدة فبإمكانك أن تستمع إلى خطبة رئيس المجلس الإسلامي السوري التي ألقاها في أعزاز السورية، وفي كلمة ترافقت مع حصار ماحق لمدينة درعا وعشرات الآلاف من الهاربين من حمى القصف، فقد كرس الشيخ خطبته لأهم قضية تشغل الشعب السوري المنكوب وهي التحذير من الليبرالية الجديدة!.

فليس الخطر الذي يعانيه السوريون غياب وطنهم وشرادهم في البلاد ودمار أحيائهم وموت أحبائهم، ولا هو الحصار والقصف الذي تعانيه درعا في هذه الساعات العصيبة، لقد تبين أن الخطر الأكبر هو وجود بعض المنظمات النسائية التي تعمل لتحرر المرأة، وبالطبع فهذه المنظمات التي يكرهها المشايخ لا يمكن أن تكون إلا منظمات عميلة مأجورة لهيئات الأمم المتحدة الماسونية التي لا هم لها ولا شغل لها إلا محاربة الإسلام!.

وكل خطاب يدعو إلى تمكين المرأة وتحررها وكرامتها فهو دعوة جندرية مسمومة تريد نشر الرذيلة وقمع الفضيلة، وتريد فرض نظام الشذوذ على المجتمع، والترويج للفحشاء!.

وبدا واضحاً أن كل معاركنا هامشية وثانوية إلا المعركة مع فريق تحرر المرأة وتنوير العقل الإسلامي، فهي حرب ضارية مستمرة حتى إسقاط المتنورين وفضح مخططاتهم المسمومة.

إنها بالطبع مأساة للفكر الإسلامي أن يتحول إلى مرصد يتربص بالحرية ومحاكم تفتيش جاهزة للبطش بكل نشاط تنويري ونشعل بالتالي حروباً داخلية لا فائدة منها إلا شق الصف وخلق العداوات والإحن وتقديم أكثر السوريين نشاطاً وكفاءة في تحرير النساء بصفة فريق الرذيلة العميل الخادم للمشاريع الماسونية والصهيونية، وبالتالي تأليب السوريين بعضهم على بعض في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى الوحدة والجماعة.

فهل هذا بالفعل هو الخطر الذي يواجهنا؟ وهل تواجه سوريا بالفعل غزواً من نوادي الشذوذ الجنسي وحرب الخمور والأفيون؟

 
في الريف الذي يخاطبون تتحجب البنت من العاشرة فهل المطلوب أن نحجبها من الخامسة؟ وفي هذا الريف ترتدي النساء النقاب فهل المطلوب أن ترتدي الخيمة؟ وفي هذا الريف تقوم العشيرة بارتكاب جريمة الشرف في أي شبهة تحوم حول المرأة فهل المطلوب وأد البنات وهن أحياء؟.

لست أدري أي معنى من مصلحة الأوطان والإنسان ذلك الذي تحمله هذه الثقافات الطالبانية، وهي الأفكار الأفغانية التي سبقتنا في الصراع ثلاثين عاماً ولا تزال توقد لهيب الكراهية وتقسم أفغانستان إلى فسطاطين متلاعنين إسلامي وليبرالي، لا يلتقيان إلا في غبار الحروب على وطن مدمر بائس تراجع بشكل رهيب إلى ظلمات العصور الوسطى، ولم يتقدم خطوة واحدة.

ما الفائدة التي تجنيها الثورة السورية والشعب السوري المذبوح من تحريض بعضه على بعض؟ وحين نقوم عن عمد بوصف فريق من السوريين بالعمالة والخيانة في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى الوحدة؟.

والسؤال بالطبع مطروح أيضاً على الفريق الليبرالي الذي يقوم بتحقير كل القيم الدينية والاستهزاء بها، وبات يرفع الصوت أنه لا تعايش ولا مستقبل مع الخطاب الأصولي، وبات يصطف تلقائياً مع كل سعي يهدف إلى تدمير الإسلام السياسي ولو كان عن طريق الانقلابات وهدم البرلمانات.

المشوار طويل، ومع أن المنصات الإعلامية هي موارد خبر وليست منابر وعظ، ولكنني أسمح لنفسي بمناشدة السوريين من جديد، كما في كل مرة، أن ندرك اننا مختلفون، إسلاميون وليبراليون، وأن اختلافنا لا ينبغي أن يأخذنا إلى تبادل الاتهام بالكفر والخيانة، إنها محض قراءات للآخر، من حقنا أن ندافع عن خصائصنا ومشروعنا بحماس، ولكن دون أن نتهم الآخر بالخيانة والعمالة والخلو من الشعور الوطني، فالشعور الوطني والحس الإنساني موزع على الضفتين، ونكفر بعقولنا إذا افترضنا أن الضفة الأخرى بدون ضمير.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى