قراءة في صورةملتيميديا

الطفولة.. تلك المرساة الضائعة

الطفولة.. تلك المرساة الضائعة

حلب – نورث برس

أحوال الطفولة وأهوالها “أشبه بالخدوش التي تُترك على سطح لَيِّنٍ من الإسمنت، سرعان ما يجف فلا تُمحى الخدوش أبداً، إن كل عُقدنا ونحن بالغون بدأت في طفولتنا” التي هي أصل بداية الحياة البيولوجية للإنسان الكبير، تلك الحياة التي تشبه الورقة البيضاء ويكتب عليها الكبار ما يشاؤون من البشاعة.

من هنا تتحول هذه الصورة إلى مجال رحب للإبداع الفوتوغرافي الذي يُصوِّر ويجسد الطفولة البريئة وقد قذفتها الحرب في أتون التشرد الكبير والفقر الشديد. لذلك اختار مراسل “نورث برس” هذه الصورة التي تُظهر طفلاً صغيراً – ربما في العاشرة من عمره أو يزيد قليلاً – ويبدو كأنه بلغ من الكبر عتياً بيقين علامات التعب العارية على جسده ووجهه المتسخ، إضافة إلى وضعيته التي لا نعرف فيما إذا كان نائماً أو يُخفي ارتباكاً، لكن، لا يمكننا إلا أن نتعاطف وننفعل أمام هذه الصورة التي تعكس حالة من التخلي الإنساني.

يؤكد مراسل “نورث برس” أنه تأمل مشهد الطفل لدقائق قبل أن يقوم بتصويره. هذه الحالة تذكرنا بعبارة وردت في رواية “الخبز الحافي”: “قدري هذا الذي لم أختره، وإن كانت لديك القدرة على اختيار غيره فاعطني إياه”. ولكن، من يغير القدر.

والملاحظ أن الصورة التقطت مساء، وتبرز في الخلفية علامات تدل على مظاهر البزخ والترف، وشعارات رنانة تؤخر ولا تُقدِّم، فهل في وضعية الطفل هذه.. الملقى على بقايا الأعمدة الأثرية ردُّ فعل منه على قدره المعيشي النابع من تبعات حرب لم تكن فيها رحمة، ومن اقتصاد يتداعى، لذلك قذفه القدر الأعمى إلى الشارع فأصبح ضحية الجهل والتهميش في سورية، وفي حلب – مدينة الاقتصاد والمال.

لعلها كثيرة هي الصور التي تتوارى في ثناياها قراءتها وتأويلها وأحكامها، بخلاف القراءات والتأويلات والأحكام الجاهزة. فهذا الطفل يصنع صورته، وصورته تصنعه، تاركاً / أو تاركة المجال لـ “التوتر الدلالي” طريقه داخل خراب الواقع، وحطام الذاكرة التي تذكرنا بصورة إيلان الكردي – 2015 وسواه من أولئك الذين مضوا وظلت صورهم تسأل عن معنى الطفولة، وعن هول الآلام التي تتعذب بها الإنسانية.

ثم لأن الصدمة تستنفر المخيلة، وتضعها في سياق إغوائي، فإن استنطاق الصورة حين مقاربتها سيميائياً تتعمق السخرية وتنفجر اللامبالاةً أمام بزخ الصناعات الحديدية وبلادتها، وأمام من ينظر إليها. أو كأنه / الطفل، يقول: صورتي صامدة.. وطفولتي أقوى..

ولأن الصورة خبرياً تحتشد فيها العلامات، وتساوي ألف كلمة وكلمة في اللغة، فهذه الصورة من تلك، أي تسجيل للحظة بؤس إنساني موثق، ولا يمكن لمن شارك في صناعتها التنصل منها.

في الصورة خطاب رهيف عن طفولة كفَّت عن وجودها لأنها عرفت اليأس في خطوطه الرقيقة، وخطاب قاس عن واقع الإنسان السوري. وفي الحالتين، آماد المأساة الإنسانية.

إعداد وتحرير: نور حسن

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى