في إدلب.. زوجات يدفعن ما يملكنه لكشف مصير أزواجهن في سجون الحكومة

إدلب- نورث برس

تعرض سعاد المنصور (38 عاماً)، وهو اسم مستعار لنازحة في مدينة إدلب، شمال غربي سوريا، ما يمكن بيعه من أثاث منزلها لإيفاء ديونها، وذلك بعد تعرضها لعملية “احتيال” أدت لخسارتها جميع ما تملك من نقود ومصاغ ذهبية.

وتتعرض زوجات معتقلين في إدلب، لعمليات “نصب واحتيال” من عناصر مقربين للأجهزة الأمنية ومحامين، وذلك من خلال طلب مبالغ كبيرة للكشف عن مصير أزواجهن، إذ يتفاجأن بعد دفع المبالغ المالية بتغيير هؤلاء لأرقامهم وحظرهن على وسائل التواصل الاجتماعي.

وبداية العام الجاري، دفعت النازحة 2500 دولار أميركي لمحام يسكن في دمشق، للكشف عن مصير ومكان زوجها المعتقل منذ سنوات، وذلك بعد أن استدانت 700 دولار لإكمال المبلغ المطلوب.

لكنها تفاجأت وبعد تحويل المبلغ، بتغيير المحامي جميع أرقامه وحسابات التواصل الخاصة به، لتقع ضحية احتيال تقول إنها “كسرت ظهرها”، على حد تعبيرها.

وأواخر العام 2013، اعتقلت الأجهزة الأمنية الحكومية زوج “المنصور” أثناء توجهه إلى إدلب.

 قلق الزوجة على مصيره واستمرار استفسار أولادها عنه، دفعاه لتحويل المبلغ دون التفكير بالعواقب وذلك بعد تطمينات من المحامي بقدرته على الكشف عن مكان تواجده.

“مبالغ كبيرة”

وقال تقرير لجمعية المعتقلين والمفقودين في سجن صيدنايا  (ADMSP)، صدر في كانون الثاني/ يناير الفائت، إن حراساً وعسكريين وقضاة وأفراد وحتى الوسطاء أحياناً يتلقون رشاوى ضخمة من ذوي المعتقلين.

وقال دياب سريح، وهو معد التقرير والشريك المؤسس لـADMSP، إن تلك الأموال تنتهي إلى جيوب المسؤولين الفاسدين وأمراء الحرب.

وطالب التقرير المجتمع الدولي بالضغط على روسيا والحكومة السورية للكشف عن مصير المفقودين والسماح لأهالي من لا يزالون على قيد الحياة بزيارتهم.

ويقول من التقتهم نورث برس إن متوسط المبالغ المالية التي يطلبها الوسطاء أو المحاميين للعمل على ملف شخص مفقود أو معتقل تتراوح بين ألف دولار وخمسة آلاف دولار أميركي، تعطى على دفعات أو يتم دفعها دفعة واحدة.

في حين تمكنت عدد منهن من الحصول على معلومات عن أزواجهن كمقطع صوتي أو صورة هوية أو صورة له من السجن، وغالباً ما تكون هذه التوثيقات “باهظة الثمن”، بحسب قولهن.

ووفقاً لإحصائيات المرصد السوري لحقوق الإنسان، “اعتُقل 968 ألفاً و651 شخصاً تم اعتقالهم منذ بداية الحرب السورية، من قبل أجهزة النظام الأمنية، قضى منهم أكثر من 105 آلاف و902 تحت التعذيب”.

وبحسب المرصد، فإن أكثر من 83% من المعتقلين جرى تصفيتهم داخل المعتقلات في الفترة الواقعة ما بين شهر أيار/ مايو 2013 وشهر تشرين الأول/أكتوبر من العام ذاته.

تغيير أرقام

والشهر الماضي، تعرضت مروة الرشيد (35 عاماً)، وهو اسم مستعار لسيدة من سكان مدينة الدانا شمال إدلب، لعملية “احتيال” مشابهة عبر وسيط من أبناء مدينتها ومتواجد في دمشق.

وقامت “الرشيد” بدفع مبلغ مالي “كبير” على أمل خروج زوجها من السجن بعد فترة اعتقال دامت سبع سنوات.

واضطرت لبيع منزلها وتقديم ثمنه للوسيط الذي قال إنه سيكون صلة الوصل بينها وبين محام في دمشق، إلا أنه بمجرد استلام المبلغ، قام بحظرها وتغيير رقمه.

وعبرت “الرشيد” عن إحباطها لما آل بها الحال، وخاصة أنها الأمر انتهى بها للسكن في خيمة قماشية وبقائها وأطفالها دون منزل، وسط حالة معيشية واقتصادية تصفها “بالمزرية” بعد خسارتها “لكل شيء”.

وأضافت أنها فقدت الأمل من عودة زوجها بعد عملية  “الاحتيال”، وأنها قد تسعى للطلاق من زوجها المعتقل، والزواج مجدداً، “علني أجد معيلاً ينفق علي وعلى طفليّ الاثنين.”

وتقول بعض الزوجات إنهن تحملن ظروفاً نفسية واجتماعية ومعيشية صعبة، ولا يعلمن إن كان عليهن التسليم بوفاة الزوج في السجون وإكمال حياتهن دونه، أم أن عليهن الانتظار على أمل ورود أنباء تكذب ما سمعنه عن الوفاة.

ويقدر تقرير للأمم المتحدة للعام 2021 أن 100 ألف شخص في عداد المفقودين بسبب الصراع السوري، وتستمر الأعداد في الارتفاع.

وكانت مريم الأسود (43 عاماً)، وهو اسم مستعار لوالدة معتقل، سترسل 2500 دولار أميركي إلى أحد المحاميين في دمشق للكشف على مصير ابنها، قبل اكتشافها أن الشخص ذاته أقدم على عمليات احتيال مع عدد من معارفها.

 وقالت السيدة الأربعينية إن المحامي أقنعها بصدق كلامه وقدرته على معرفة مكان ابنها، “لكني اكتشفت وعبر الاستفسار من أشخاص أن المحامي يغير رقمه بعد تحويل المبالغ له.”

إعداد: سمير عوض- تحرير: سوزدار محمد