آراء وتحليلاتالرئيسيمنذر خدام

قراءة في دستور عام 2012

لقد ركز الرئيس بشار الأسد في خطاب القسم في 17 تموز مدشنا عهدة جديدة من سبع سنوات هي الرابعة له على التوالي، على الدستور المعمول به حالياً، وعده مقدساً مثل الوطن بل هو عنوان له بحسب رأيه. فما هي حقيقة هذا الدستور وما هي الصلاحيات الممنوحة للرئيس فيه.

لقد سار بشار الأسد على خطى والده الراحل حافظ الأسد الذي حكم سوريا بـ “السوط والجزرة”، طيلة ثلاثين عاماً، في ظل دستور فصله على مقاسه، وها هو الابن اليوم يفصل دستوراً جديداً على مقاسه أيضاً.

كما في الدستور القديم (دستور 1973)، فإن الرئيس بموجب دستور 2012، يتمتع بصلاحيات تنفيذية، وتشريعية واسعة، فلا يوجد مجال من مجالات الحياة السياسية، والاقتصادية، والأمنية، والاجتماعية، إلا وله الصلاحيات المطلقة للتدخل فيها، سواء عبر التشريع، أم عبر الأوامر والتعليمات الإدارية. فهو الذي يسمي رئيس الوزراء، والوزراء، ونوابهم، ويقبل استقالتهم، أو يقيلهم، (المادة97)،. وهو الذي يحيلهم إلى المحاكم أيضاً(المادة 124). وهو الذي يحدد السياسة العامة للدولة مع مجلس الوزراء الذي هو يعينه بطبيعة الحال(المادة 98). وله الحق أن يترأس اجتماعات مجلس الوزراء، وطلب تقارير من رئيس الوزراء، أو الوزراء (المادة 99). وله الحق بالاعتراض على القوانين التي يصدرها مجلس الشعب (المادة100). وهو الذي يصدر المراسيم، والقوانين، والأوامر، (المادة 101). وهو الذي يعلن الحرب، والتعبئة العامة، ويعقد الصلح، بعد موافقة مجلس الشعب( المادة102). وهو الذي يعلن حالة الطوارئ ويلغيها بحسب المادة(103). وهو القائد العام للجيش والقوات المسلحة، ويصدر جميع القرارات، والأوامر اللازمة، لممارسة هذه السلطة(المادة 105). وهو الذي يعين الموظفين المدنيين، والعسكريين، وينهي خدماتهم(المادة 106). ويخوله الدستور الجديد سلطة التشريع خارج دورات انعقاد مجلس الشعب، وأثناء انعقاده أيضاً (المادة 113)، وله أن يحل مجلس الشعب متى أراد (المادة 111). ومن حقه أن يتخذ الإجراءات السريعة التي تطلبها الظروف، لمواجهة أي خطر يهدد الوحدة الوطنية، أو سلامة واستقلال البلد، أو يعوق مؤسسات الدولة عن العمل( المادة 114) دون ذكر لهذه الإجراءات. وله أن يشكل اللجان، والهيئات، والمجالس الخاصة، ويحدد مهامها وصلاحياتها ( المادة 115).وهو رئيس مجلس القضاء الأعلى ( المادة133)، ويسمي أعضاء المحكمة الدستورية (المادة141) . وهو فوق كل ذلك غير مسؤول عن الأعمال التي يقوم بها، إلا في حالة الخيانة العظمى (المادة117). في الواقع لم يترك الدستور الجديد أية صلاحية أعطيت لأبيه الراحل حافظ الأسد في دستور 1973 إلا ومنحت له بموجب الدستور الجديد (دستور 2012).

من الواضح بموجب الدستور الجديد أن لا معنى لفصل السلطات، واستقلالها، ولا معنى للمساواة بين السوريين، بل لا معنى للحياة السياسية، فكل الصلاحيات منحت في دستور 2012 للرئيس. والغريب في الدستور الجديد هو أنه اشترط على من يترشح لمنصب الرئيس أن يكون سوريا بالمولد، ومن أبوين سوريين بالمولد، وأن يكون مقيماً في الجمهورية العربية السورية لمدة عشر سنوات متواصلة( المادة 84)، في حين اكتفى الدستور السابق بأن يكون المرشح إلى الرئاسة “عربياً سورياً متمتعاً بحقوقه المدنية والسياسية”( المادة 83).

تجاهل الدستور حقوق الأقليات القومية، ولم يأتي على ذكرها، رغم أنه أشار في مقدمته إلى وجود مكونات للشعب السوري، وأشار في مادته التاسعة إلى وجود تنوع ثقافي في البلاد، لكنه تجاهل ذكر هذه المكونات، والتي هي مكونات قومية، وليست ثقافية فحسب، ولها بالتالي حقوق قومية، كان ينبغي الاعتراف بها دستورياً. لقد عان الكرد السوريون كثيراً من تجاهل حقوقهم، رغم أنهم شركاء حقيقيون في الوطن، ولهم دورهم في تطوره.

حافظ الدستور الجديد في نص المادة الثالثة منه على أن “دين رئيس الدولة هو الإسلام”، وهذا يتناقض مع مبدأ الحقوق المتساوية للمواطنين، وتحابي معتنقي الديانة الإسلامية على حساب معتنقي الديانات الأخرى. وأكثر من ذلك فهي تشكل إهانة لجزء مهم من الشعب السوري، أعني المسيحين السوريين، ومن في حكمهم ولكثير من السوريين المسلمين.

ثمة الكثير من مواد الدستور الجديد غير مقبولة، وثمة الكثير غيرها يحتاج إلى قوانين تطبيقية، وبحسب خبرة الشعب السوري مع هذا النظام، فهو لن يصدر هذه القوانين كما فعل والده، حتى لا تفقد تلك المواد الدستورية مصداقيتها، خصوصاً تلك المتعلقة بالحريات العامة والخاصة. أضف إلى ذلك فقد أعطى النظام لنفسه مهلة ثلاث سنوات لتكييف القوانين المخالفة للدستور ( المادة 154)،  بما فيها القوانين التي أصدرها في سياق الأزمة، وما أكثرها، ومن خبرة السوريين مع والده فهو لن يلغيها، ولن يجعلها متوافقة مع الدستور، وسوف تظل تحمل اسم ” القوانين الاستثنائية “، وهذا ما حصل بالفعل.

باختصار، فإن دستور 2012 ليس دستوراً عصرياً، بل مفصلاً على مقاس الرئيس. مع أن النظام نجح بتمريره رسمياً عبر الاستفتاء العام عليه، في السادس والعشرين من شهر شباط لعام 2012، بالطريقة ذاتها التي اعتاد أن يمرر بها جميع الانتخابات، والاستفتاءات، فإن أغلبية السوريين من عرب، وكرد، وقوميات أخرى، إضافة لمعتنقي جميع الأديان غير الإسلام، إضافة إلى اللادينيين لم يشاركوا بالاستفتاء على هذا الدستور في اليوم المحدد، بحسب مصادر من داخل أجهزة النظام المعنية بالاستفتاء.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى