آراء وتحليلاتالرئيسيمحمد سيد رصاص

الاضطرابات في إيران

عاشت إيران ستة اضطرابات كبرى منذ صيف 1999وحتى صيف 2021، هي التالية:

  1. مظاهرات الطلاب في جامعة طهران في تموز\يوليو1999، دعماً للرئيس الإصلاحي محمد خاتمي ضد جماعة المحافظين الممسكون بالسلطة الفعلية بزعامة السيد على الخامنئي.
  2. (الحركة الخضراء ) في حزيران\يونيو2009 عندما نزل ثلاثة ملايين لشوارع طهران احتجاجاً على إعلان فوز محمود أحمدي نجاد بانتخابات الرئاسة ضد مير حسين موسوي الذي اعتبره المتظاهرون فائزاً في تلك الانتخابات.
  3. الاحتجاجات الاقتصادية (كانون الأول\ ديسمبر2017- كانون الثاني\يناير2018)، التي استغرقت أسبوعين وبدأت في مدينة مشهد ثم امتدت لمدن إيرانية عدة احتجاجاً على تردي الأوضاع الاقتصادية، وطرحت فيها شعارات مثل (لا لغزة، لا للبنان، حياتي من أجل ايران).
  4. اضطرابات ضد رفع أسعار الغاز في تشرين الثاني\نوفمبر2019، بدأت من إقليم خوزستان (عربستان)، ثم امتدت لمناطق أخرى.
  5. اضطرابات الجامعات الإيرانية في كانون الثاني\يناير2020.

6. الانتفاضة ضد العطش في خوزستان(عربستان)في تموز\يوليو2021.

كانت أقوى تلك الاضطرابات هي (الحركة الخضراء) في عام 2009، عندما ظهرت قوة المعارضة من خلال المظاهرات في العاصمة طهران ومدن كبرى مثل أصفهان وشيراز ومشهد وتبريز، تلك الانتخابات التي كانت نتائجها المعلنة سبباً في اندلاع الاضطرابات مدى قوة السلطة في الريف والمدن الصغرى، بينما أظهرت المظاهرات مدى قوة المعارضة بين الشباب من الجنسين بالمدن الكبرى ومدى قوتها في الفئات المدنية الوسطى المتعلمة.

كان القمع العنيف للمظاهرات في (الحركة الخضراء) تعبيراً عن سلطة لا تعكس غالبية اجتماعية من حيث التمثيل، لذلك لجأت لحل هذا الاختلال من خلال ممارسة العنف، كما أن هذا العنف، الذي لم يقد إلى تشققات أو انشقاقات داخل بنية السلطة، قد عكس وضعاً متماسكاً لبنية السلطة، وبالتأكيد هذه البنية المتماسكة لم يأتي تماسكها فقط من العامل الذاتي في بنية السلطة وإنما كان يعكس أيضاً وجود قاعدة اجتماعية مؤيدة للسلطة في الأرياف والمدن الصغرى.

في (الحركة الخضراء) طرح شعار (ايران أولاً)، وفي المناظرة التلفزيونية بين المرشحين، أحمدي نجاد وحسين موسوي، طرح موسوي هذا بوضوح مشيراً إلى أن الأموال الإيرانية التي تنفق على منظمات في غزة ولبنان موالية للسلطة الإيرانية الأولى بها المواطن الإيراني الذي يعيش أزمة اقتصادية كبرى، ربما كانت هي الدافع الأكبر عند السيد الخامنئي للتوقيع على الاتفاق النووي عام2015.  

لم تكن الاضطرابات، التي أخذت أشكال تظاهرات أيضاً، التي أعقبت بأربعتها (الحركة الخضراء)، بمستوى ما جرى في عام 2009 ولا مظاهرات 1999، ولكن الاضطرابات الستة عكست خللاً عميقاً وافتراقاً بين البنية المجتمعية الإيرانية وسلطتها الدولتية، ربما لا يوازيه سوى ذلك الخلل الذي ظهر بشكل مماثل في فترة البيريسترويكا 1985-1991 في الاتحاد السوفياتي بين البنية المجتمعية والسلطة الدولتية، وقد تركزت قوة المعارضة للشيوعيين السوفيات في مدن موسكو ولينينغراد وبين الشباب والمتعلمين أصحاب الشهادات وفئة التكنوقراط، فيما كان الشيوعيون أقوياء في الريف، وعندما حاولت البنية السلطوية الدولتية، بأجنحتها في الحزب والجيش والاستخبارات والإدارة، حل ذلك الخلل التناقضي عبر الانقلاب العسكري في يوم 19 آب\أغسطس1991 فإن فشلها في ذلك الانقلاب كان مدخلاً إلى انهيار بنية السلطة الدولتية التي بدأت مع الثورة البلشفية في أوكتوبر1917.

كانت حركة الطلاب في الصين، بين نيسان\إبريل 1989 وحزيران\يونيو 1989، معزولة، فيما كان التأييد للسلطة قوياً في الأرياف التي أصبحت تتبع سيرورة (قانون السوق) وكذلك في المدن بين فئات أصبحت مستفيدة من الازدهار الاقتصادي، وهو ما سهل على السلطة قمع حركة الطلاب من خلال إنزال الدبابات إلى ساحة (تيان آن مين) في 4حزيران\يونيو1989.

كان تدهور الاقتصاد وانقسام السلطة السوفياتية بين الأمين العام للحزب ميخائيل غورباتشوف وبين القوى المحافظة الشيوعية عاملين مساعدين على فشل انقلاب 19آب\أغسطس1991، فيما لم يكن لهذين العاملين تواجد في الصين 4حزيران\يونيو1989، رغم وجود أمين عام للحزب هو (زهاو زيانغ)، كان مشجعاً لحركة الطلاب، ولكنه كان معزولاً في بنية السلطة الدولتية وقد أزيح من منصبه بعد عدة أسابيع من ما جرى في تلك الساحة من مدينة بكين.

ربما، كان (زهاو زيانغ) قريباً من وضع الرئيس الإيراني محمد خاتمي، كما أن وضع الزعيم الصيني (دينغ سياو بينغ) الذي أمر بقمع الطلاب كان قريباً من وضع السيد الخامنئي، ولكن الوضع الاقتصادي الصيني كان مزدهراً ووضع الصين في شبكة العلاقات الدولية كان صاعداً وقوياً،وكلا العاملين المذكورين كانت تفتقدهما إيران مع بدء العقوبات الدولية عليها إثر استئنافها لبرنامج تخصيب اليورانيوم في شهر آب\أغسطس2005، وعلى الأرجح أن ما جعل السلطة الإيرانية قوية أمام اضطرابات مجتمعية قوية كانت مكاسبها الإقليمية في عراق2003 وغزة 2007 ولبنان 2008 ويمن 2014، تلك المكاسب الإقليمية لسلطة متماسكة في بنيتها ولكن مأزومة مع غالبية مجتمعية وتفتقد لعلاقات دولية قوية أو شبكة أمان لم تجدها إيران حتى عند روسيا والصين، مع برنامج نووي يقترب من القنبلة النووية.

كل تلك العوامل الثلاث جعلت إيران قادرة على عقد اتفاق مع واشنطن كان فيه تفكيك البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات الاقتصادية الأميركية مع ترك حرية إيران في الإقليم ومع ترك برنامجها الصاروخي من دون مس، وهو ما يحاول جو بايدن معالجته عبر المفاوضات مع إيران، فيما حاول دونالد ترامب حله عبر أشكال صدامية مع طهران وعقوبات اقتصادية إثر سحبه للتوقيع الأميركي على اتفاق2015.

هنا، وفي كل المجتمعات التي ظهرت فيها علامات على تناقض بين البنية المجتمعية والبنية السلطوية الدولتية، مثل اضطرابات بولونيا 1956و1970و1980-1981، كان يحل فيها هذا التناقض لصالح البنية المجتمعية في حال تخلخل الحامي الدولي، وهو ما سمح بسقوط الشيوعيين البولونيين من السلطة عام 1989 مع ضعف سلطة الشيوعيين السوفيات في موسكو، فيما كانت قوة الحامي الدولي في موسكو عاملاً حاسماً في الإطاحة عبر الدبابة السوفياتية بسلطة شيوعية تشيكوسلوفاكية عام 1968 تتمتع بتأييد قوي بمجتمعها في سعيها للإصلاح وفي سعيها لأخذ مسافة من الكرملين.

كانت فترة نيكيتا خروتشوف ونقده للستالينية تعبيراً عن ملاقاة البنية السلطوية الدولتية للبنية المجتمعية عبر إقامة جسر من الإصلاح، وقد كانت إزاحة خروتشوف عام 1964 ومجيء ستالينيين جدد مع ليونيد بريجنيف محاولة لطمس، عبر القمع وعبر مكاسب في السياسة الخارجية، لعيوب واختلالات البنية السلطوية السوفياتية.

كان موت بريجنيف عام1982، مع أزمة اقتصادية ومع بدء اختلال التوازن الدولي لصالح واشنطن، قد فتح طريق الانهيار المفتوح للتجربة الشيوعية السوفياتية من خلال تظهير التناقض بين البنية السلطوية الدولتية والبنية المجتمعية.

على الأرجح، أن باراك أوباما، ومن بعده جو بايدن، يراهنان على أن اتفاقاتهما مع السيد الخامنئي ستكون مثل اتفاقيات نيكسون وكارتر مع بريجنيف، وأن وضع طهران ما بعد الخامنئي سيكون مثل وضع موسكو ما بعد بريجنيف.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى