مصابات بأمراض منقولة جنسياً في دمشق يتعرضن لضغوط اجتماعية في مراكز العلاج

دمشق – نورث برس

تعتقد رانيا تقلا (31 عاماً)، وهو اسم مستعار لسيدة في دمشق مصابة بأحد الأمراض المنقولة جنسياً، أنها فقدت ثقتها بالعيادات والأطباء بعد ما تعرضت له من إزعاج من قبل طبيبة راجعتها، إلى جانب نظرات شك وتعامل سيء من مرضى كانوا يراجعون العيادة.

وتتذكر المرأة، التي تعمل في نادي لياقة بدنية في العاصمة، أنها استجمعت قواها في لحظة ما ونهضت عن سرير المعاينة رافضة سوء تعامل الطبيبة، وهمت بالخروج من العيادة بعد مشادات لفظية.

 لكن الطبيبة، التي فضلتها “تقلا” سابقاً لأنها أنثى ولكونها أكاديمية، أنهت الجدال بعبارة: “روحي راجعي مركز الأمراض السارية والمنتقلة بالجنس قبل ما تبلي شي حدا”، على حد ما نقلته المريضة بلهجتها.

وتعاني غالبية النساء في سوريا من تمييز على أساس الجنس في مجالات حياة مختلفة، لكن أقساها بحسب مريضات، حين يأتي من المجتمع ككل، بما فيه المقربون والمتنورون ومن تلجأ لهم المرأة لمد يد العون لها.

وتكون الإصابة بإحدى الأمراض الجنسية لدى أي أنثى علامة إنذار تهددها بإكمال حياتها بشكل طبيعي حتى في أكثر دوائرها المجتمعية قرباً، بحسب مريضات تحدثن لنورث برس.

كما أن من النادر التطرق للمواضيع الجنسية، فيما يخص الإناث، في اللقاءات الخاصة أو الفعاليات العامة، ولا حتى خلال حملات التوعية القليلة.

وقالت “تقلا” إنها تعرضت “لنظرات وتعامل سيء بينما كانت تراجع عيادة نسائية كما اعتادت كل ثلاثة أشهر، وذلك بعد أن أطلعت الطبيبة التي تراجعها منذ سنتين على ظهور “ثآليل” في بعض مناطق من جسدها.

وأضافت أن ما يزعجها حتى الآن هو اعتقادها سابقاً أن مراجعة طبيبة أنثى “سيكون أكثر راحةً لأنها قد تتفهم أكثر، في حين أن أكثر المواقف سوءاً حدث معي في عيادة طبيبة امرأة.”

تقول المريضة الآن إن “أرقى العيادات في العاصمة وأعلاها تكلفة، لم يعد تشعرني بالثقة تجاه احترامي كمريضة مراجعة، ففي أفضل الحالات كنت أتلقى تلك النظرة التي تفصح عن الأسف والشفقة نحوي.”

وذكرت أنه ما من حل لحالتها الصحية، إلا إزالة هذه الثآليل بالكي الحراري أو الكيميائي، بحسب ما أخبرها مختصون، “وهو خيار ما كنت لأختاره أبداً.”

وتضم قائمة الأمراض المنتقلة عبر العلاقات الجنسية أكثر من 250 مرضاً، وهي تنجم عن مسببات مختلفة، وقد لا يدرك المصاب لفترة أنه مصاب بها، كما أن بعضها قد ينتقل عبر وسائل أخرى إلى جانب العلاقات الجنسية ومن الأم إلى الجنين، بحسب خصائص كل مرض.

وغالباً ما تحاول المصابة إخفاء الأمر والسكوت عنه حتى بعد شعورها بالأعراض، ما يضعها تحت خطر تفاقم المرض، فتعمد بعض المصابات إلى مراجعة عيادات بأماكن بعيدة عن سكنهن ودون مرافقين، وقد تقدم المريضة معلومات مزيفة عن هويتها في العيادات والمشافي.

رنيم معلا (28 عاماً)، وهو اسم مستعار لشابة تعمل في تسويق المنتجات الغذائية، تقول إنها وقفت عاجزة عن تقديم شكوى ضد الطبيب الذي راجعته.

وحرصت المريضة على عدم مرافقة أحد لها حرصاً على عدم البوح بحالتها، لكنها تعرضت لتحرش من المعالج نفسه، على حد قولها.

“وعلى وقع الثمن الاجتماعي المكلف ووصمة العار المحيطة بالإصابة بأحد هذه الأمراض”، لم تبح المريضة بما حدث ولم تجرؤ على التقدم بشكوى.

وذكرت “معلا” أنه وبعد أن تيقن الطبيب من أن “الطريق مسدود أمامه، بدأ بالترهيب من خطر محدق لمرضها الذي تنتقل عدواه عن طريق العلاقات الجنسية.”

لم تخرج المريضة من المنزل لأيام، واعتقدت بالاعتماد كلام الطبيب على أنها قد حُرمت من قدرتها على الإنجاب.

لكنها لم تستطع إخفاء ما تمر به عن أختها التي تعيد الفضل لها الآن في استكمال متابعة حالتها، “كانت السبب الرئيس في قدرتي على الخروج من الصدمة التي وضعني بها الطبيب الذي راجعته.”

وأزال طبيب آخر “جميع المخاوف والأكاذيب التي قالها الطبيب المتحرش، وتبين أن ما أعاني منه هو حالة سترافقني لبقية حياتي، لكنها ليست ذات خطورة كبيرة في حال تمت متابعتها عبر فحوصات دورية”، على حد قول “معلا”.

وتعتبر المريضة أن المشافي الحكومية “غير محبذة” للمصابين بهذا النوع من الأمراض بسبب الحاجة للكشف الصريح عن الهوية، والتحدث عن المشكلة الصحية أمام عدد من الأطباء والممرضين والمتدربين، وربما المرضى الآخرين المنتظرين.

وغالباً ما يكون مراجعو المشافي على جهل بما يمرون به، ما يجعل التجربة تتسبب بمشاعر سلبية تجاه المشفى والكادر الطبي، لكن البعض يرى أن الابتعاد عن المشفى العام يحرم المصاب من حقه بمتابعة علاج مجاني وبعيد عن الأحكام الشخصية.

ولا يتفق فراس إسماعيل (29 عاماً)، وهو طبيب مقيم باختصاص الجلدية في مشفى الجلدية بالبرامكة، مع بعض المرضى في تعميم انطباعهم السلبي تجاه أطباء ومراكز علاج.

 وقال لنورث برس إن المشفى الذي يعمل به يستقبل يومياً مراجعين يشتكون أعراض أحد الأمراض المنتقلة عبر الجنس دون دراية منهم بذلك.

وذكر أن هذه المشكلة بدأت تتفاقم بشكل كبير، نتيجة انخفاض التوعية الجنسية والتثقيف حول وسائل الوقاية من انتقال وانتشار هذه الأمراض، والتي تقع مسؤولية إهمالها على عاتق جهاز الصحة الحكومي، “فحتى حملات التوعية الجنسية والإنجابية توقفت منذ سبع سنوات.”

وأضاف الطبيب أن الوجه الآخر للمشكلة يكمن في أن هكذا أمراض تحتاج لمراجعات وفحوصات دورية، لإطلاع المصاب على عدد من الإجراءات الاحتياطية في تغيير عاداته ونمط حياته.

“لكن بعض المصابين لا يعودون لمراجعة المشفى بمجرد زوال الأعراض، نتيجة التعامل السيء من قبل بعض الكوادر الطبية والفنية مع مصابين بمثل هذه الأعراض.”

وأشار “إسماعيل” إلى أن الأزمة الحالية أثرت على قدرة جهاز الصحة على تغطية وتمويل مؤسسات تعنى بهذا الشق من القطاع الصحي، فاللقاحات المتوافرة عالميًا للعديد من الأمراض الجنسية الفيروسية أو الجرثومية، غير موجودة داخل سوريا.

 وحتى أن فئات مثقفة ومتعلمة لا تعلم حتى بوجودها، ويقتصر إعطاؤها في العيادات الخاصة بناء على نصيحة الطبيب أو طلب الراغب بتلقيها، “فهي تأتي مهربةً من إحدى البلدان المجاورة وتصل تكلفة أرخص لقاح بينها إلى 100دولار أميركي”، بحسب الطبيب.

وتفيد تقارير لمنظمة الصحة العالمية، نشرت في حزيران/ يونيو عام 2019، بأن واحداً من كل 25 شخصاً في العالم يصاب بعدوى جنسية واحدة على الأقل خلال حياته.

وذكرت طبيبة مختصة في علم النفس في دمشق، اشترطت عدم نشر اسمها، أن الدعم النفسي للمصاب هو جزء أصيل في بروتوكول العلاج المتبع عالمياً، “والذي لا ينال منه المريض في دمشق أي اهتمام.”

 وأضافت: “بل على العكس، هناك بعض المراجعين والمراجعات ممن راجعوا مركز الأمراض السارية والمعدية والمتنقلة بالجنس بحاجة لدعم نفسي نتيجة الصدمة التي تلقوها بعد زيارة المركز.”

وقالت نبال منصور (37 عاماً)، وهي محامية مهتمة بشؤون الجندر والدفاع عن حقوق المرأة، لنورث برس، إن “التعامل مع أي امرأة بهذا الشأن يتبع السياسات العامة التي فرضتها السلطة بكل شأن، والتي تجعل من المرأة في موقف أضعف وتتسبب باستغلالها وترهيبها.”

واعتبرت المحامية أن الذكورية التي تربى عليها أغلب أبناء المجتمع المحلي السوري، وحتى شريحة واسعة من الفئة الجامعية والمثقفة، ترى الإصابة بأعراض كهذه أمراً عابراً لدى أي رجل أو شأنه الخاص، أما في حال الأنثى المصابة فيصبح الأمر شأن العائلة والحي والقرية والمجتمع بأكمله.”

 وأضافت أن “الجهل الذي يقضي بالتحقيق والترهيب والعقاب العرفي من جهة المجتمع (..) تتم سقايته بشكل متواصل بسياسات زيادة الفقر المادي والتوعوي والتثقيفي، وعدم وجود نصوص قانونية شفافة وواضحة وحازمة تعنى بتنظيم الاعتداءات اللفظية والجسدية تجاه هذه الحالات.”

إعداد: رغد العيسى – تحرير: حكيم أحمد