الرئيسيفيتشر

ناجية من سجون الحكومة تكافح لاستعادة حياتها وسط ضغوط مجتمعية في إدلب

إدلب- نورث برس

ما زالت رهف (29عاماً)، وهو اسم مستعار لفتاة تعيش في إدلب، تكافح من أجل تخفيف ضغوط مجتمعية أو ما تسميه تحميلها ذنباً لم تقترفه من جانب كل من سمع بقصة سجنها في معتقلات الحكومة السورية منذ ثمانية أعوام حين كانت طالبة في قسم اللغة الانجليزية بجامعة حلب.

تقول إن الخلاص من عتمة السجن ورؤية الشمس من جديد كان أقصى ما تتمناه حين كانت معلقة من قدميها في المعتقل، لكنها اصطدمت بعد أشهر “بواقع اجتماعي لا يقل قسوة عن عصي الجلاد.”

وفي كانون الثاني/يناير عام 2013، كانت الطالبة متجهة إلى جامعة حلب، حين قام عناصر من القوات الحكومية باعتقالها على أحد الحواجز، مع امرأة أخرى تبلغ من العمر 50 عاماً، “تم اقتيادي معصوبة العينين ومكبلة اليدين إلى فرع الأمن السياسي في مدينة حلب.”

وفي أشهر سابقة لحدثة الاعتقال هذه، كانت جامعة حلب قد علقت دوامها وأغلقت السكن الجامعي بعد احتجاجات وأحداث دموية في الجامعة والمدينة عموماً.

وفي شهر كانون الثاني/ يناير نفسه، قصفت طائرة حربية للقوات الحكومية دوار العمارة في الجامعة بصاروخين، ما أسفر عن مقتل أكثر من 80 طالباً وجرح العشرات، بحسب ما نشرت وكالات أنباء حينها.

وكانت حلب حينها قد اصبحت مقسمة بين القوات الحكومية ومسلحي المعارضة، وكان السكن الجامعي من الملاذات التي لجأ إليها نازحون من الأحياء التي تشهد اشتباكات في الجهة الشرقية للمدينة.

“وحوش بشرية”

يومان من العزلة في زنزانة منفردة سبقا اقتياد رهف للتحقيق، “سرتُ برفقة أحد الحراس مرتجفة ومشتتة التفكير إلى ضابط تحقيق يدعى أبو حيدر.”

 بدأ الضابط بالتحقيق مع الفتاة، موجهاً تهمتي تحريض طلاب الجامعة على الخروج في المظاهرات، والتواصل مع الإرهابيين، إلى جانب نعتها بأوصاف تحتوي “شتائم بذيئة”، على حد قولها.

تقول رهف لنورث برس: “نفيت كل التهم، فعمد الضابط إلى تهديدي بالاغتصاب، كما عاقبتي بالشبح، حيث تم تعليقي من يديّ بالسقف، وبقي جسدي متدلياً ليمارس عليه عناصر هناك أساليب تعذيب مختلفة.”

 وعن طريق الأسئلة الموجهة لها خلال التحقيقات، تيقنت رهف أن زميلة لها في الجامعة رفعت تقريراً كيدياً ضدها، “فعلت ذلك لمجرد استيائها مني والرغبة في إذلالي، لكن الموت بنظري كان أسهل مما أوصلتني إليه.”

بعد ساعتين من التعنيف الجسدي والنفسي خلال التحقيق الذي بدأ يتكرر مرتين في اليوم، كانت الطالبة المعتقلة تعود لزنزانتها، وكان الأمر الوحيد الذي يدور ببالها هو “أن الله وحده قادر على تخليصي من الوحوش البشرية الذين وقعت بين أيديهم.”

وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، ما زال في سجون السلطات السوريّة أكثر من 152 ألف معتقل، بينهم أكثر من 40 ألف امرأة.

وتحدث ناجون من سجون الحكومة لهيئات دولية عن تعرضهم للضرب بخراطيم بلاستيكية، وعصي خشبية، والحرق بأعقاب السجائر، وأساليب تعذيب ذاع صيت هولها كالوقوف في الماء وتلقي صدمات كهربائية، وأخرى اشتهرت بأسمائها كالشبح وبساط الريح.

“عمر كامل”

كانت رهف في السنة الثالثة لدراستها الجامعية حين اعتُقلت ولم تكن قد تجاوزت الحادية والعشرين من عمرها، لكن أحلام الشباب السوريين في تأسيس حياة مستقرة كانت قد بدأت تتلاشى منذ أكثر من عام.

كما أن فكرة الهرب من البلاد والحرب الدائرة فيها لم تعد معقولة بالنسبة للفتاة التي جرى نقلها إلى سجن النساء ضمن سجن حلب المركزي، وذلك بعد أسبوع من اعتقالها وصنوف من التحقيق والتعذيب.

ويقع سجن حلب المركزي إلى الشمال من مدينة حلب، بجانب مخيم حندرات للاجئين الفلسطينيين، قريباً من بلدة المسلمية.

تقول رهف: “تعرفت على سجينات كثيرات وقصصهن، منهن فتاة لم تتجاوز السادسة عشرة، لكن أم أحمد التي جرى اعتقالها معي كانت كأم لي، هي وحدها من واست وحدتي ونصحتني، أشعرتني بالحنان في وقت كان الألم هو الشعور الوحيد داخلي.”

كانت الأحداث تقترب من السجن، بحسب تقرير لمركز توثيق الانتهاكات في سوريا عن السجن نفسه (نشر عام 2014)، وتعرض السجن خلال مدة وجود الفتاة رهف فيه لقصف من مسلحي المعارضة.

كما أن مخصصات السجناء من الطحين والوقود نفذت أواخر آذار/ مارس عام 2013، لكن السجينة السابقة لم تتحدث في تفاصيل الأحداث هذه.

واكتفت بأنها تتذكر: “كانت أصوات تعذيب النساء بالضرب والشبح والحرق بالسجائر تصم الآذان، كما تصالحنا جميعاً مع الجوع والبرد اللذين أصبحا من روتين حياتنا اليومية.”


ستة أشهر في السجن، تصفها الفتاة بأنها كانت “عمراً كاملاً” لهول ما مرت به هناك.

آلام أخرى

وفي الثامن عشر من شهر تموز/يوليو عام 2013، تم إطلاق سراح رهف بعد أن دفع أهلها مبلغ ثلاثة ملايين ليرة سورية لوسيط تمكنت من الوصول إليه، “وكان صلة الوصل بينهم وبين مسؤولين في الأفرع الأمنية الحكومية.”

وبمساعدة أقارب لها يعيشون في مدينة حلب، تمكنت رهف من الانتقال إلى مدينة إدلب حيث عائلتها.
تصف رهف اللقاء مع أهلها بأنه “كان حزيناً”، إذ بدأت فصول آلام جديدة في حياتها.

 وعن ذلك تقول: “يخرج الرجال من سجون النظام كأبطال في نظر المجتمع، أما النساء فيخرجن ذليلات ويدفعن ثمن ذنب لم يقترفنه.”
وتضيف أنها وجدت اللوم “في عيون الجميع”، حتى ابن خالتها الذي كان قد خطبها سابقاً تركها.

 “قررت حينها الدخول في سجن طوعي، حبستُ نفسي خلف جدران غرفتي هرباً من نظرات تضع المرأة موضع المذنبة حتى لو كانت ضحية.”

وتشير الفتاة إلى أن أكثر ما كان يخيفها تلك الفترة هو سماع صوت طرقات باب المنزل أو مفتاح يدور في باب، “كان السجان  يتراءى لي وهو يأخذني إلى التحقيق.”

 وما من حيلة سوى المزيد من البكاء والكثير من النوم، “رغم أن الكوابيس لم تكن تفارقني.”

 لكنها تمكنت قبل نحو ثلاثة أعوام من السيطرة على الضغوط التي تتعرض لها والاكتئاب الذي عانت منه، وذلك بعد زيارة أختها التي مدت لها يد العون في خطوات علاج، ووقفت جانبها لتعمل في تدريس اللغة الانجليزية.
تأمل رهف، الآن، تجاوز معاناتها واستعادة حياتها الطبيعية، لكنها مازالت تردد “المجتمع محبِط وظالم للنساء كيفما كنّ.”

إعداد: حلا الشيخ أحمد- تحرير: حكيم أحمد

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى