آراء وتحليلاتالرئيسيمحمد سيد رصاص

الدور الإثيوبي

اتجه رئيس الوزراء الإسرائيلي دافيد بن غوريون، رداً على وحدة 1958السورية – المصرية، للتحالف مع تركية وإيران وإثيوبية، وقد لعبت البعثة العسكرية الإسرائيلية في إثيوبية، التي أرسلت لتدريب الحرس الامبراطوري وإعادة تأهيل الأجهزة الأمنية، دوراً رئيسياً في إحباط محاولة انقلاب 13 كانون الأول\ديسمبر 1960 التي جرت ضد الامبراطور هيلا سيلاسي، وعلى الرغم من محاولات الرئيس جمال عبدالناصر التقارب مع هيلا سيلاسي إلا أن الأخير لم يتخلَّ عن روابطه الوثيقة مع تل أبيب، التي تعاون هو وإياها في دعم التمرد بجنوب السودان، ولولا اتجاه الرئيس السوداني جعفر النميري لضرب الشيوعيين والابتعاد عن موسكو لما كان هيلا سيلاسي يرعى اتفاق 1972بين الخرطوم والمتمردين الجنوبيين، ذلك الاتفاق الذي أعطاهم الحكم الذاتي.

هذا الدور الإثيوبي في اللعب على تناقضات دول الجوار الداخلية، مثل السودان والصومال الذي رعت إثيوبية حركة التمرد ضد مقديشو في الصومال البريطاني الشمالي الذي عرف بعد عام 1991 بـ”جمهورية أرض الصومال”، استؤنف مع العسكر الإثيوبيين الماركسيين الذين استولوا على السلطة عام 1974 وأطاحوا بهيلا سيلاسي، حيث دعموا تمرد العقيد جون قرنق في جنوب السودان عام 1983، ودخلوا عام 1977 في حرب مع الصومال، مع احتفاظهم بعلاقات وثيقة مع تل أبيب، كان من حصيلتها فتحهم الباب أمام هجرة يهود الفلاشا في منتصف الثمانينيات، هذه العلاقات الوثيقة مع إسرائيل التي كانت مجتمعة في تركيب ناتئ مع ماركسيتهم ومع علاقات وثيقة مع الاتحاد السوفياتي وأغلب الأحزاب الشيوعية العربية ومنظمات اليسار الفلسطيني.

هنا، كان يؤمل بأن سقوط حكم قومية الأمهرا، الحاكمة تقليدياً في الحبشة ـ إثيوبية منذ القديم، في عام 1991 ووصول حركات متحدة من أقليات قومية إثيوبية (تيغراي- الأورومو- الصوماليين ..إلخ) للسلطة بزعامة زعيم (جبهة تحرير تيغراي) ميليس زيناوي، والاتجاه نحو بناء إثيوبية جديدة فيدرالية وفق دستور 1994، سيخفف من التوتر الإثيوبي مع الجوار، وخاصة مع موافقة زيناوي على استقلال إريتريا في عام 1993، وهو أمر لم يتحقق حيث انخرطت إثيوبية أكثر في المشاكل السودانية، ليس فقط في دعم التمرد الجنوبي بل في امتداد ذلك نحو دعم المعارضة الشمالية السودانية، وقد كانت أديس أبابا تستثمر لصالحها في العداء الأميركي المستجد ضد الإسلام السياسي في فترة ما بعد الحرب الباردة عبر دعم المعارضات الشمالية والجنوبية للنظام الإسلامي في الخرطوم، كما أن زيناوي قد دخل في حرب 1998 ضد صديقه القديم أسياس أفورقي الذي أصبح رئيساً لإريتريا بسبب مشاكل حدودية، ثم حاول عام 2006 الاستثمار في ذلك الطلاق الأميركي مع الإسلاميين عندما تدخل عسكرياً في الصومال ضد حكم (المحاكم الإسلامية)، ثم كان زيناوي قبل وفاته في عام 2012 أحد رعاة انفصال جنوب السودان عن الشمال عام 2011 وقد ظهر مقدار النفوذ الإثيوبي في الدولة الوليدة عندما كانت أديس أبابا هي الراعية لعملية تسوية نزاع الرئيس سيلفا كير، المنتمي إلى قبيلة الدينكا، مع نائبه إريك ماشار، المنتمي إلى قبيلة النوير، الذي ذهب ضحيته مئات الآلاف نتيجة لذلك الصراع القبلي، الذي كان مغطى في حركة التمرد الجنوبي بزعامة قرنق بين عامي 1983 و2005 حتى توقيع اتفاقية نيفاشا التي نظمت الانفصال بغطاء العداء الشمالي- الجنوبي في السودان.

في هذا الصدد، لم يكن آبي أحمد، رئيس الوزراء الإثيوبي الذي أتى عام 2018 نتيجة لتحالف الأورومو مع الأمهرا الذي أسقط حكم أقلية التيغراي مما دفعها لتمرد خريف 2020 ضد المركز الإثيوبي، خارجاً عن سياق حكم زيناوي أو هيلاسيلاسي أو العسكر الماركسيين، حيث تابع اللعب على التناقضات السودانية بين العسكر والمدنيين عام 2019 بفترة ما بعد سقوط حكم عمر البشير وهو يستمر بدعم حركات مسلحة في جبال النوبة ومنطقة النيل الأزرق، وهو أمر يقلقل سودان ما بعد عمر البشير، ثم أبرز منذ تموز\يوليو 2020 مع بدء التعبئة الأولى لسد النهضة  تلك الورقة التي هيأها زيناوي منذ عام 2011 مع بدء بناء ذلك السد، الذي تريد أديس أبابا القول من خلاله بأنها تملك الهيمنة على حوض النيل، وليس مصر، كما كانت أرض الكنانة عبر التاريخ، وبالتالي فإنها تملك صنبور ذلك النهر كأداة للهيمنة والتأثير على السودان، وتملك ورقة تعطيش مصر كأداة لتركيعها وربما فكفكة الدولة المصرية، التي وجدت منذ أيام الفراعنة كدولة تنظيم لموارد النيل.

كتكثيف: هناك مشكلة عربية – إفريقية، تضاف للمشكلة العربية- التركية، والمشكلة العربية – الفارسية. يركز العرب على المشكلة الثانية والثالثة، ويتناسون المشكلة مع الأفارقة التي يبدو أنها تضرب في عمق التاريخ، وهي تظهر في أشكال عدة بعضها انفجاري مثل المذابح التي جرت ضد العرب عام 1964 في جزيرة زنجبار، أو المشكلة بين العرب والزنوج في موريتانية. تبقى العلاقة الإثيوبية- العربية خلال الخمسين سنة الماضية من أكبر تمظهرات التوتر الإفريقي- العربي.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى