آراء وتحليلاتالرئيسيمحمد سيد رصاص

مئوية الحزب الشيوعي الصيني

في الأول من هذا الشهر يكمل الحزب الشيوعي الصيني المئة عام من العمر. يمكن القول بأن تجربة الشيوعيين الصينيين هي أهم من التجربة السوفياتية، من حيث أن الأخيرة قد فشلت في “تحقيق الاشتراكية”عبر القفز فوق المرحلة الرأسمالية، ولم تفضي إلى أكثر من نموذج لرأسمالية الدولة بدأ مع لينين وستالين لينتهي بنموذج اقتصاد السوق مع يلتسين وبوتين، بينما الشيوعيين الصينيين أدركوا منذ الثمانينيات بأن الوصول للاشتراكية لا يمر بالقفز فوق المرحلة الرأسمالية كما قال لينين في “موضوعات نيسان”، بل لابد من المرور، كما قال ماركس في “البيان الشيوعي”، بالرأسمالية كطريق نحو الاشتراكية، والشيوعيون الصينيون يقودون منذ عام 1980 أكبر تحول رأسمالي مجتمعي لا يوجد مواز له في التاريخ سوى في الثورة الصناعية التي شهدتها بريطانية في النصف الأول من القرن الثامن عشر. وعملياً، كما أن ثورة أوكتوبر 1917 بقيامها وفشلها قد رسمت معالم القرن العشرين، فإن النمو الاقتصادي الصيني سيرسم معالم القرن الواحد والعشرين، والأميركان يعون ذلك وهم يدركون بأن التناقض الرئيسي للقطب الأميركي الواحد للعالم هو مع الصينيين وليس مع الروس.

هنا، يمكن القول أيضاً بأن تجربة الشيوعيين الصينيين تحوي زوايا أخرى، أيضاً، من حيث أنهم وعوا منذ العشرينيات بأن مهمات الحزب الشيوعي، في أمة متخلفة اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وتخضع لهيمنة الأجانب، هي أولاً النهوض بالأمة والتحرر من هيمنة وسيطرة الأجنبي ومكافحة وهزيمة القوى المحلية المرتبطة بالأخير، وعندما غزا اليابانيون الصين في الثلاثينيات تناسى الشيوعيون الصينيون مجزرة شنغهاي في نيسان\إبريل 1927 التي ارتكبها حزب الكيومنتانغ (الوطني) ضد الشيوعيين ودعوا للتحالف معه ضد الغازي الياباني، انطلاقاً من مقولة ماوتسي تونغ حول (التناقض الرئيسي والتناقض الثانوي)، وعندما تمت هزيمة اليابانيين عام 1945 رأى ماو بأن التناقض الرئيسي مع الأجنبي لم يعد قائماً وأن التناقض الثانوي قد أصبح رئيسياً مع (الكيومنتانغ)، وهو ما أشعل صراعاً انتهى في 1تشرين أول\أكتوبر 1949 بانتصار الشيوعيين وسيطرتهم على البر الصيني بكامله وهروب (الكيومنتانغ) وزعيمهم شيانغ كاي شيك إلى جزيرة فورموزا (تايوان).

في هذا الصدد لم يكن الشيوعيون الصينيون ينطلقون من أن (الطبقي) هو المحدد للمرحلة بل من أن (الوطني) هو الذي يحددها، ليس فقط ضد الياباني المحتل لأرض الوطن، بل كانوا ينطلقون من (الوطني)عندما يكافحون الخصم الصيني التابع والمرتبط بالأجنبي مثل شيانغ كاي شيك وكانوا ينظرون له كخصم وطني- طبقي، ولكنهم ينظرون للطبقي ولكافة المهام الأخرى من نظارة (الوطني)، بما يعنيه الأخير من التحرر من الأجنبي وهيمنته وهزيمة تابعيه المحليين، وبما يعنيه (الوطني- القومي) من النهوض بالأمة وتحديثها وعصرنتها وجعلها مستقلة وقوية بين الأمم. هنا، كان ماوتسي تونغ قد قام في فترة 1935-1976بتحرير الأمة الصينية من الأجنبي بفترة 1937-1945 وتابعيه المحليين عبر استلام شيوعيين وطنيين للسلطة عام1949، ثم في سبع وعشرين عاماً من قيادته للحزب في السلطة، رغم فشله الاقتصادي وفي انتكاسة وفشل تجاربه مثل الثورة الثقافية 1966-1969، استطاع تحديث جهاز الدولة الصيني، ووضع الصين في صدارة العلاقات الدولية كلاعب كبير، وخاصة بعد انفتاح الأميركان على الصين عام 1971 الذي كان ماو ورئيس وزرائه شو إن لاي، يدركان بأنه يهدف لاستخدام الورقة الصينية ضد السوفيات، إلا أنهما كانا يدركان بأن من الضروري، رغم ذلك، سلوك هذا الطريق نحو فك العزلة الصينية التي فرضها السوفيات منذ عام 1960.

في فترة 1978-1997 قام دينغ سياو بينغ بالبدء في الثورة الاقتصادية الصينية نحو العملقة التي جعلت الصين تحتل منذ عام 2010 الرقم الاقتصادي العالمي الثاني بعد الولايات المتحدة الأميركية، وهو كان يدرك بأن السير نحو صين جديدة اقتصادياً تتطلب قيادة الشيوعيين للتحول نحو (اقتصاد السوق) ولكن بالترافق مع ذلك إمساك (قطاع الدولة في الاقتصاد) بالمفاصل الاقتصادية العليا، مثل سلطة البنك المركزي في تحديد سعر العملة واحتفاظ الدولة بالسيطرة على التكنولوجيا العالية (الهاي- تكنيك) والمطارات والمرافئ والمناجم والثروات الباطنية، وترك الباقي لقوانين وآليات (اقتصاد السوق) بما فيه مجالات عمل الرأسمال الأجنبي.

في هذا الصدد، وبالتأكيد، كان دينغ سياو بينغ يدرك، وهو يأمر في 4حزيران\يونيو 1989 بقمع الثورة الطلابية، بأن ترافق (الديموقراطية) مع (اقتصاد السوق) ستفضي إلى فقدان الشيوعيين الصينيين للسلطة، ويبدو أن هذا هو الدرس الذي استخلصه من تجربة بيروسترويكا ميخائيل غورباتشوف الذي كان واضحاً في عام 1989 بأن الشيوعيين السوفيات هم في حالة قريبة من الانهيار كما كان آل بوربون في فرنسة 1788 قبيل قليل من ثورة 1789 الفرنسية، وبالتأكيد فإن دينغ قد قرأ عبارة فريدريك إنجلز التي أطلقها عام 1890، بمناسبة إلغاء السلطات الألمانية لقانون حظر الاشتراكيين الذي أصدره بسمارك، وهي العبارة التالية: “الخسارة هي مصير أية حكومة تسمح لحركة معادية، تتطلع إلى إسقاطها، بالعمل في إطار القوانين.”

كتكثيف: كان إسحق دويتشر يقول:”ماوتسي تونغ هو أعظم من مارس الثورة بعد لينين”. السؤال الآن: ألا يجب قلب هذا القول؟.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى