الحكومة السورية تصدر جملة قرارات “استفزازية” قبيل رحيلها
دمشق ـ نورث برس
كان غريباً أن تصر الحكومة السورية على اتخاذ مجموعة من القرارات التي تزيد الضغط على يوميات السوريين، في وقت لم تعد الحياة المعيشية تحتمل قرش إنفاق إضافي.
لكن الحكومة وفي تصرف بدا مستغرباً للكثيرين، اتخذت مجموعة قرارات برفع الأسعار في واقع صار تأمين الطعام فيه مشكلة حقيقية عند السوريين.
وأثارت تلك القرارات مجموعة من الاستفسارات، منها “هل هذا يعني أن الحكومة لا تبالي بمعيشة السكان، ولا تحسب حساباً لرد فعل اجتماعي.”
والسؤال الآخر: “كيف يفهم تصرف الحكومة، ولماذا لا تكلف نفسها عناء الشرح للسكان؟.”
“توقيت مريب”
يقول محمد أحمد وهو اسم مستعار لأحد أعضاء الحزب القومي السوري لنورث برس: إن “رفع سعر الأدوية في آخر أيام الحكومة الحالية أمر ملفت ومريب!.”
والخميس الماضي، رفعت وزارة الصحة في الحكومة السورية، سعر 12 ألف نوع دوائي بنسبة 50%، بعد تهديدات من أصحاب معامل أدوية بالتوقف عن العمل.
قرار رفع أسعار الأدوية لم يكن القرار الوحيد خلال الفترة الأخيرة، بل تزامن معه الكثير من قرارات رفع الأسعار لمواد غذائية كالكعك والخبز الأسمر والسمون.
وكذلك تم رفع قيم استيراد بعض المواد كالسمنة والرز والحليب المجفف والزيوت وغيرها.
ونهاية الأسبوع الماضي، أصدر كنان ياغي وزير المالية في الحكومة السورية، قراراً برفع الحد الأدنى لقيم المستوردات أو ما تسمى (الأسعار الاسترشادية) لـ 15 سلعة في الأسواق السورية.

حملةُ الأسعار الجديدة جعلت الكثير من السكان، تتساءل فيما إذا كان أصحاب القرار في البلد “يدرسون الوقت الأنسب لصدور قرارات استفزازية مثل هذه، وفيما إذا كان هنالك قرارات أكثر استفزازاً من رفع الأسعار مع أجور كهذه؟.”
بادرة إصلاحية
تصدر قرارات كهذه غالباً خلال الأيام الأخيرة للحكومة، بحيث تحمل تبعات تلك القرارات قبيل رحيلها.
ولم يبقَ الكثير من الوقت في عمر الحكومة السورية الحالية التي يرأسها حسين عرنوس منذ الثلاثين من آب/ أغسطس من العام الماضي.
وتنص المادة 125 من الدستور السوري، على أن الحكومة تُعدُّ بحكم المستقيلة عند انتهاء ولاية رئيس الجمهورية، لكنها تستمر بتسيير الأعمال ريثما يصدر مرسوم بتسمية الحكومة الجديدة.
وقال محلل سياسي واقتصادي يقيم في دمشق، فضل عدم ذكر اسمه، إنه يتم عادة تحميل الأخطاء لمرحلة ماضية، “لكي لا تتحمل الوزارة الجديدة المسؤولية في بداياتها.”
وشدد على أنه قد تلجأ الحكومة الجديدة إلى إلغاء هذه القرارات كـ”بادرة إصلاحية، وبذلك يرتاح المواطن من (حسابه) دون أن تقدم الوزارة أي شيء.”
ويرى المحلل السياسي والاقتصادي، ضرورة رفع سعر الدواء “لأنه كان يباع بأقل من التكلفة، وهذا يتم على حساب فاعليته.”
أما بالنسبة لبقية المواد الغذائية، فالأمر ذو شقين: “الأول هو أن المبالغ التي تُحمِّلها الدولة للتجار بقصد دعم ميزانيتها، تجعل التاجر يرفع ثمن السلعة، بشكل لا يؤثر على مرابحه.”
والشق الثاني هو “تحرير الأسعار، لكن هذا سيرتبط بزيادة الأجور، والأخيرة مرتبطة بتسوية شاملة للوضع السياسي والاقتصادي”، بحسب المحلل.
في حين، يقول باحث اقتصادي، لم يرغب بذكر اسمه، أيضاً، إن قرار رفع الأسعار عموماً لا يتعلق بالحكومة، “بل توجيهات من القيادة.”
ويضيف: “سواء تغيرت هذه الحكومة أم بقيت نفسها لن نلحظ أي تغييرات جوهرية أو فروقات نوعية، لأن دور الحكومة لا يتعدى دور البلديات في قراها ومناطقها.”
أصداء شعبية
وصل الكثير من السوريين إلى حد الجوع، وهنالك من شبه قرارات الرفع الجديدة للأسعار كـ”سلخ الشاة بعد ذبحها.”
وتقول أميرة علي (60 عاماً) وهي متقاعدة وربة منزل، تقيم في دمشق، إن آخر ما كانوا ينتظرونه هو صدور قرارات لرفع أسعار مزيد من المواد الغذائية خاصة.
وتضيف: “كان المتوقع بعد إعادة انتخاب الرئيس حصول فرجٍ، وزيادة في الرواتب، وتحسن مستوى المعيشة.”
ولكن بدل أن يأتي “الفرج جاء الموت”، خاصة مع ارتفاع أسعار الدواء الذي سيجعل الكثير من السكان ع”اجزين عن شراء حتى ظرف السيتامول الذي أصبح سعره ألف ليرة.”
أما الطالب الجامعي جمال شامل فاكتفى في قراءته لتوقيت قرارات رفع الأسعار بتعليق ساخر: “طلع العطل من المسحوق وليس من الغسالة.”
وأضاف: “السكان يستحقون أكثر من ذلك من هذه الحكومة وغيرها، لأنه مهما جارت بقراراتها عليهم فستبقى الأكثرية منهم جاهزين للاحتفال حالما يطلب منهم ذلك.”
وأشار “شامل” إلى أن “بعض السكان يرون أن القادة في بلدنا لا يتحرجون من أي توقيت لإصدار أي من القرارات، لأنه لا حياة لمن تنادي، والسلخ لا يوجع الشاة المذبوحة.”
طي القرار
في حين قال المهندس أيمن علي (50 عاماً) وهو موظف في القطاع العام، إن المطلوب من الحكومة أن تقوم “بطي قرار رفع سعر الأدوية وغيرها كما جمدت قرار صناعة أشباه الأجبان والألبان.”
وأشار إلى أن “حالة القهر التي يعيشها السكان من قرارات الغلاء، تعادل أضعاف ما عانوه من الإرهاب والصواريخ والقذائف.”
وأضاف “علي”: “الطعام والدواء أصبح حلم أكثر السكان، بعدما أصبح الراتب اليومي يشتري 4 بيضات أو سندويشة فلافل.”
وتساءل شاهين زاهر (45 عاماً) وهو مزارع في ريف دمشق، عن الشيء الذي ستستفيده الحكومة السابقة أو اللاحقة من تلك القرارات.
“هم مستمرون بوضع العراقيل للسكان عندما يهمون بالانصراف أو خلال تعينهم وزراء. بدل أن يعيش السكان في ظل الدولة تعيش هي في ظلهم وعلى حسابهم”، يقول “زاهر”.

ويضيف رامي أحمد وهو موظف حكومي، إنه “في السابق كانت قرارات رفع الأسعار تأتي بعد قطع المادة، أو بعد زيادة في الرواتب، أما الآن يمكن لهم أن يرفعوا الأسعار متى يريدون، ومشاعر السكان لم تعد ضمن الحسابات.”
هنا الاستفزاز
يرى سالم أحمد (50 عاماً) وهو اسم مستعار لخبير تنموي، أن القرارات الاستفزازية ليست في رفع الأسعار، ورفع سعر الدواء، “ولكنها في القوانين التي صدرت مؤخراً مثل القانون رقم 8 لحماية المستهلك الذي لا تتوافق بنوده مع المنطق.”
وقال: “عندما تكون العقوبة 5 سنوات سجن، بحسب القانون، يصبح المهدد بالعقوبة على استعداد لمشاركة موظف التموين في مشروعه لتجنب العقوبة، وكذلك قانون البيوع العقارية، وبيع السيارات، وكل هذه القوانين يمكن وصفها بالمدمرة.”
ورغم اعتقاد الخبير التنموي، بأن القادم قد يكون “أسوأ”، لكنه يرى “ضرورة ذهاب الفريق الحكومي الحالي.”