الرئيسيفيتشر

في حلب إما أن تكون ثرياً أو معدماً

حلب – نورث برس

في طريقه سيراً على الأقدام إلى منزله في حي صلاح الدين الشعبي في مدينة حلب شمال البلاد، يمر عبد الرحمن الحسين (41 عاماً)، بعشرات المطاعم الفاخرة بحيي الموكامبو والفرقان، يشاهدها وقد امتلأت عن آخرها فترة المساء.

يقول الرجل إنه لا يملك سوى الاكتفاء بالمشاهدة وهو في طريقه للمنزل بعد يوم عمل شاق.

لكن لا يقتصر مشهد “الترف” على المشهد المسائي اليومي بالنسبة للموظف الحكومي الذي يضطر للعمل ساعات إضافية في محل لبيع المعجنات في حي المحافظة، إذ يشاهد أشخاصاً وعائلات كثيرة من زبائنه نهاراً، وهم “مختلفون” عنه وعن سكان الحي الذي يعيش فيه.

يقول “الحسين” إنه لا يستطيع منع نفسه من المقارنة بين حاله المعيشية وهؤلاء، ويتساءل كيف يطيقون تحمل تكاليف هذه المطاعم، بينما لا يتجاوز دخله الشهري من عملين وطيلة 15 ساعة في اليوم 120 ألف ليرة سورية.

وتبلغ قيمة فاتورة طعام أو شراب في أي كافتيريا أو مطعم من هذه 25 ألف ليرة على الأقل.

ويضيف: “ذلك نصف راتبي الحكومي الذي لم يتخط بعد عتبة 50 ألف ليرة بعد خدمة 12 عاماً.”

“الحرب رفعت ناساً”

في محل المعجنات يبيع “الحسين” كميات كبيرة من أصناف فاخرة يصل سعر الكيلوغرام الواحد منها لأكثر من 50 ألف ليرة، بينما يباع قالب الكيك بـ 60 ألف ليرة.

وفي المقابل يشاهد آخرين، “يعانون في سبيل الحصول على لقمة العيش، يصطفون في طوابير الخبز ويجهدون للحصول على جرة غاز وليترات من البنزين والمازوت. أشعر بالمرارة والألم.”

وقبيل الحرب، كان والد “الحسين” يملك محلاً لبيع المعجنات في حي صلاح الدين، “كان راتبي الوظيفي وعملي مع والدي بالمحل يغطي احتياجات عائلتي، لكن المحل تدمّر وخسرنا دخلنا.”

وتعرف حلب كعاصمة اقتصادية لسوريا، لكنها تضررت بفعل القتال والقصف ونقل قسم من المعامل إلى تركيا، وتعرض كثير من أسواقها للتدمير والحرق والنهب، ما تسبب بتوقف عجلة الاقتصاد.

والآن يعتقد الموظف الذي يصبح عاملاً فور انتهاء دوام وظيفته، أن “الحرب رفعت أناساً ومسؤولين وتجاراً في كل من طرفي الحكومة أو المعارضة، بينما جعلت الأغلبية يعيشون تحت خط الفقر.”

“قدرات شرائية متفاوتة”

وتنتشر في الأسواق الحلبية محال ألبسة تعرض أرقى الماركات بأسعار لا يمكن للسكان الذين يعتمدون على دخل متوسط أو متدني تحملها، إذ يصل سعر القطعة الواحدة لأكثر من 100 ألف ليرة سورية.

وقال نوار الصايغ (27 عاماً)، وهو عامل في وكالة لبيع الألبسة في حي الموكامبو، إنهم يبيعون ماركات معروفة تجلب من دمشق أو من لبنان ببيان جمركي.

وتباع هذه الألبسة بأسعار مرتفعة لأنها مستوردة وماركات معروفة وغالباً ما تجلب تلبية لطلبات زبائن أغنياء.

ويوافق “الصايغ” على أن أصحاب الدخل المحدود لن يغامروا بدخول الوكالة ولو بمجرد السؤال عن السعر.

وينطبق نموذج الألبسة على غيرها من المواد والسلع مثل المأكولات والأثاث والمستلزمات الأساسية للعائلات، بحسب البائع.

“طبقتان معدمة وثرية”

ورغم أن حلب العريقة اقتصادياً معروفة بتنوع أسواقها بين الشعبية والتراثية والحديثة، إلا أن الحرب أفرزت طبقات جديدة للسكان بين أكثرية معدمة وثرية انتفعت من الأزمات.

يقول محمد النحاس (47 عاماً)، وهو أستاذ الاقتصاد في جامعة حلب، إن الطبقة الوسطى التي كانت قبيل الحرب أكثرية كانت الضامن لتماسك المجتمع.

ويرى أن الاقتصاد هو “الأولوية لأي حكومة تنوي بناء مجتمع متماسك خال من الجرائم والنزاعات الطبقية.”

ويضيف أن “شرخاً اجتماعياً كبيراً يزداد اتساعاً ما بين أغلبية فقيرة وأقلية غنية مع تحول 80 بالمئة، من الطبقة الوسطى للطبقة الفقيرة.”

وتهاوت الطبقة الوسطى بسبب الحرب وسوء الأوضاع المعيشية، “إضافة لعجز الحكومة عن إيجاد حلول اقتصادية ناجعة تنقذ بها الطبقة الوسطى.”

وكانت الوسطى تمثل الموظفين الحكوميين وأصحاب المحال الصغيرة والورش الصناعية، بالإضافة للتجار الصغار والمتوسطين.

لكنهم جميعاً ذاقوا مرارة الحرب وتدهورت أوضاعهم الاقتصادية سواء بسبب سلم الأجور الحكومية المتدني أو بسبب فقدان العمل وتضرر المصالح وتوقف الورش وغيرها من المشكلات.

ويعتبر “النحاس” أن هذا التقسيم الطبقي يشكل خطراً كبيراً، ويهدد السلم المجتمعي في حلب، “فشتان بين من دفع ثمناً للحرب من رزقة وأولاده ونفسه وبين من قبض الثمن من النافذين والتجار المقربين من السلطة.”

ويجري ذلك بالتزامن مع موجة غلاء فاحشة، وتشكل ما بات يعرف الآن بـ”مجتمع الطوابير” والذي يضطر فيه السكان للانتظار ساعات طويلة بهدف استلام مواد معيشية أساسية كالخبز والمحروقات.

وتعتمد عائلات في حلب ومدن سورية أخرى على الحوالات النقدية التي تأتي من ذويهم في الخارج.

لكن التحويلات “قد لا تكفي لسد الرمق لمعظم الأسر”، إنما هي حلول شعبية إسعافية مؤقتة لمشاكل اقتصادية مزمنة، لكنها “تفوقت على الحلول الحكومية.”

ويقول الاقتصادي إنها “نقمة باتت أشبه بجمر تحت الرماد.”، ربما تنذر بخطر محدق ولكنها قد تغير مصير عبد الرحمن الحسين، ومعه مئات الآلاف من السكان الذين لا يملكون دخلاً سوى ما يحصلون عليه من أجر زهيد بعد ساعات عمل طويلة.

إعداد: نجم الصالح – تحرير: حكيم أحمد

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى