دمشق – نورث برس
لم يتخلى عبد الرحمن الحاج الملقب بـ”أبو كرم” عن مهنة التنجيد رغم إلحاح عائلته، وما سببته له المهنة من مشاكل صحية بسبب تعامله اليومي مع غبار الصوف.
ويفتتح “الحاج” (62 عاماً)، دكانه كل صباح في حي القنوات بدمشق، ليبدأ عمله في تنجيد ما يُحضره سكان الحي من فرش ولحف ووسائد، وهو مستمر على هذا المنوال منذ أربعين عاماً ويعتبر شيخ كار هذه المهنة.
وذكر “الحاج” أنه عانى في الفترة الماضية من تناقص شديد في أعداد رواد دكانه، فقد مرت فترات يجلس فيها طوال النهار دون أي زبون حتى كاد أن يتخذ قراراً بإغلاق ورشته وتغيير مجال عمله.
“في الآونة الأخيرة بدأت الأحوال بالتغير بشكل ملحوظ فقد استمرت أعداد زوار المحل بالتضاعف، وأصبحت أعمل طول النهار وأحياناً حتى وقت متأخر من المساء حتى أتمكن من إنهاء العمل.”
وقد عانت المهن الدمشقية التراثية وبالأخص تنجيد المفروشات من تراجع شديد في السنوات العشرين الأخيرة حتى كادت تتجه إلى الانقراض.
ويعود سبب تراجع تلك المهن لانتشار تجارة بيع الفرشات والوسائد الاسفنجية الحديثة والمضغوطة بشكل آلي.
وطغت المفروشات المصنوعة آلياً على مهنة التنجيد، إذ لجأت العديد من الأسر الدمشقية إلى اقتنائها والاستغناء عن التقليدية المصنعة من صوف الأغنام والتي تحتاج للتنجيد الدوري كل عدة سنوات.
“انتعاش قسري”
ولكن في الأشهر الأخيرة فإن من يتجول في أسواق دمشق الشعبية والتقليدية يلاحظ أعداداً متزايدة من محلات وورشات التنجيد كما في أسواق ساروجة وباب الجابية والدرويشية وغيرها، وحتى في أسواق الحارات القديمة والشعبية.
ويعود انتعاش الحرفة من جديد، بعد أن ارتفعت أسعار الفرش الاسفنجية وبات صعباً على معظم السوريين شراء تلك المفروشات المصنعة آلياً، ما دفعهم للتوجه إلى أرباب تلك المهنة.
وأشار “الحاج” إلى أنه لاحظ في الأشهر الماضية زيادة إقبال الناس على محله وخاصة الأسر الشبابية، بسبب عودة الناس إلى اقتناء الفرش واللحف والأغطية والوسائد الصوفية والقطنية بدلاً من الاسفنجية.
والسبب الرئيسي لهذا الإقبال، هو تضاعف سعر الاسفنج عدة مرات، خاصة وأن المواد الأولية لصناعة الاسفنج تستورد من الخارج.
“ولذلك وجد الكثير من الناس أن العودة للفرش المصنعة من الصوف والقطن أوفر وتخدم أكثر رغم حاجتها لصيانة دائمة لدينا”، يقول “الحاج”.
“بديل غالٍ”
ومن جانبه قال إلياس الساطي، وهو صاحب ورشة تنجيد خاصة بالأرائك والكنبات في حي باب الجابية، لنورث برس، إن مهنة التنجيد كانت أساسية في الماضي، وتدر مالاً وفيراً على ممتهنيها.
وأشار إلى أنه كان “لا يخلو بيت من التنجيد العربي، فلا يتم أي فرح ولا أي تجهيز للبيوت إلا من خلاله.”
وذكر “الساطي” (50 عاماً)، أن الناس كانوا يقبلون عليها لأنه لا يوجد بديل، أما الآن فبالرغم من غزو المفروشات الجاهزة والاسفنج الصناعي للسوق، إلا أن لهذه المهنة روادها ومحبيها ومن يرغب فيها.
“ما زال الكثير منهم يفضلونها على الصناعات الحديثة.”
وأشار إلى أنه “مازال يمارسها دون انقطاع وتوفر له دخلاً مقبولاً.”
وأضاف “الساطي” أن المراتب القطنية والأغطية المصنوعة يدوياً “هي الأفضل صحياً والأكثر تحملاً، وذلك من خلال تجارب كثيرين من الذين يشكون من أمراض في العظام والمفاصل.”
ولا يتعدى العمر الافتراضي لهذه المنتجات الحديثة سنوات قليلة، في حين أن المصنعة يدوياً “تعيش سنوات طويلة قد تمتد إلى ٣٠ عاماً، وأن المراتب الجاهزة في حال فقدان صلاحيتها يتم رميها في الحاويات، في حين أن الأخرى يمكن أن يعاد تنجيدها لتصبح قابلة للاستخدام كالجديدة”، بحسب المنجّد.
“أرخص ثمناً”
ورغم أن الكثير من السكان توجهوا إلى المفروشات الصناعية مع بداية ظهورها وانتشارها، لكنهم بدأوا الآن، خاصة بعد الانهيار السريع للعملة وفقدان الطاقة الشرائية والغلاء الشديد الذي طال كافة مناحي حياتهم، بالعودة إلى الأصل بعدما تبين لهم الفارق الكبير في الجودة والسعر.
وتقول فداء حمدان، (58 عاماً)، وهي ربة منزل، تسكن في حي التضامن، لنورث برس، إنها استعاضت بالمفروشات المصنعة يدوياً عن المفروشات الصناعية لتجهيز منزل ابنتها المقبلة على الزواج.
وذكرت “حمدان” أن مفروشات البيت التي قد تكلف بضعة ملايين من الليرات استعيض عنها بمفروشات منجدة يدوياً بأقل من مليون ليرة.
وأضافت أنه “زيادة على الأسعار المناسبة وأنها مريحة الاستخدام، ليس لها عمر زمني محدد، إذ يمكن إعادة تنجيدها باستمرار.”