انتخابات اللجان الاتحادية.. واقعٌ سوريٌ مصغر للسياسة العامة

دمشق – نورث برس

فوجئ محمد رابح (25 عاماً)، وهو اسم مستعار لطالب في كلية الآداب في جامعة دمشق، بحجم البيانات الموجودة في الاستمارة التي عليه تعبئتها للترشح للجان الاتحادية في كليته، خاصةً حول انتسابه لأحزاب أو نوادٍ أو تجمعات تعنى بالسياسة والمجتمع.

ويقول لنورث برس، إن معرفته بتاريخ الاتحاد الوطني لطلبة سوريا، من مطالعته وقناعته بالدور الذي يجب أن تلعبه الاتحادات والنقابات، دفعه للتقدم بالطلب.

ورغم أنه أخبر المسؤول عن التسجيل، أنه مستقل وغير منتم لأي حزب سياسي، “إلا أنه توجب علي الحصول على ورقة من الفرقة الحزبية المسؤولة الموجودة في الكلية لتحديد أني غير بعثي.”

“هيمنة البعث”

بعد عدة اتصالات قام بها “رباح” ومراجعات لمكتب الاتحاد والفرقة الحزبية في الكلية “تم قبولي كمرشح.”

وفي اليوم المحدد للانتخابات وأثناء “محاولتي دفع الزملاء للتصويت لي، وجدت البعثيين يقومون بإحضار طلاب لم أراهم في قسمنا بتاتاً للتصويت لهم وتغير نتيجة الانتخابات”، بحسب “رباح.”

وتشكل اللجان الاتحادية والهيئات الإدارية التابعة للاتحاد الوطني لطلبة سوريا صلة الوصل بين إدارة الكليات والطلبة.

ويتولى أعضاء الهيئات الإدارية الاجتماعات الدورية مع مجالس الكلية ونقل مشاكل الطلبة لها، إضافة إلى نقل قرارات المجلس إلى الطلبة.

ويعود تاريخ بداية نشاط الاتحاد الوطني لطلبة سوريا إلى خمسينيات القرن الماضي، حيث لعب أعضاؤه دوراً مهماً في الحياة السياسية في تلك الفترة، خاصة مع بروز العديد من الأحزاب السياسية في سوريا وتشكيل الطلبة للقاعدة الأساسية لها.

وسرعان ما تغير واقع الاتحاد من أحد العناصر المحركة للنشاط السياسي إلى جهة رسمية تأتمر بتعليمات القيادات السياسية لحزب البعث العربي الاشتراكي، خاصة مع وجود المادة الثامنة التي أقرت الحزب كقائد للدولة والمجتمع.

ورغم إلغاء المادة الثامنة من الدستور الصادر للعام 2012 على خلفية الاحتجاجات التي اندلعت في البلاد، واستبدالها بتحديد مدة ثلاث سنوات لاستقلال الاتحادات أو النقابات العاملة في سوريا عن حزب البعث إلا أن الواقع لم يتغير وبقيت القيادة المركزية للحزب تهيمن على جميع النقابات والاتحادات ومفاصل الدولة الأخرى.

وقام رياض حاتم (25 عاماً)، وهو اسم مستعار لطالب في جامعة دمشق، مع مجموعة من زملائه المستقلين بتشكيل قائمة هدفها إعادة تنشيط اللجان الاتحادية بما يخدم مصلحة جميع الطلاب.

وهدف تلك القائمة “إقصاء البعثيين عبر الانتخابات من خلال دفع باقي طلاب الكلية للتصويت لهم، عبر وضع برنامج عمل يتوافق مع همومهم ومشاكل الكلية والطلبة.”

وقال “حاتم”: “فوجئنا قبل يومين من الانتخابات بحذف أسمائنا من ضمن قوائم الترشح بضغط من الفرقة الحزبية التي شعَرَ أعضاؤها بالضغط بسبب نشاطنا.”

وحاول المشكلون للقائمة، تقديم شكوى أو التظلم على ما جرى “لكن العديد من أعضاء الهيئة التدريسية أشاروا علينا بنسيان الموضوع، وتجنب إثارة البلبلة تخوفاً من تعرضنا لمضايقات أو ملاحقات أمنية.”

“مشاركة محدودة”

تقول ريما عباس (23 عاماً) وهو اسم مستعار لطالبة في جامعة دمشق، لنورث برس، إنها
أحجمت عن المشاركة في هذه الأمور من السنة الأولى لبداية مسيرتها الدراسية.

وتذكر “عباس” أن “عدم مشاركتها الآن يعود لمشاركتها الأولى التي شاهدت فيها عناصر من الأمن يقفون عند صناديق الاقتراع، ومحاولة استمالتها المتكررة للترشح من قبل رئيس الهيئة بكليتها ووعدها بالفوز مباشرةً في حال تقدمها.”

ولاحقاً، اكتشفت الطالبة وبعد التدقيق، أن الفائزين في الانتخابات تحددهم الفرقة الحزبية، ويكونون جميعهم من المنتمين لصفوف حزب البعث مع احتمال وجود عضو من أحد أحزاب الجبهة المقربة من البعث.

وتشير “عباس” إلى أن “الفرقة الحزبية والهيئة الإدارية تحاول باستمرار استمالة الطلاب الذين يتميزون بالدراسة أو بمواهب أخرى ودفعهم للترشح لتعيينهم في اللجان والهيئات الإدارية في محاولة لتحسين صورتهم.”

ويتهم حنا سمعان (27عاماً) وهو اسم مستعار لطالب دراسات عليا في جامعة دمشق، حزب البعث بسلب دور اتحاد الطلبة كغيره من الاتحادات والنقابات العاملة في البلاد.

ويقول: “الحكومة بأجهزتها الأمنية تدرك خطورة الدور الذي قد يلعبه الطلبة عند تنظيمهم في الاتحاد خارج دوائر البعث لذلك تقوم باحتكاره.”

ويرى أنه تم “تفريغ حياة الطلبة من السياسة، وتفريغ الاتحاد من الطلبة الفاعلين وقصرهم على المطبلين للحكومة ووجوه السلطة وكتابة التقارير عن الطلبة المعارضين.”

إعداد: رغد العيسى – تحرير: محمد القاضي