متشردو العاصمة دمشق يفترشون حدائقها ويلتحفون سماءها

دمشق – نورث برس

بعد أن يقضي أفراد عائلة عامر عبد الله، ساعات طويلة في التنقل بين شوارع العاصمة دمشق، بحثاً عما يسد رمقهم، يضطرون لدى حلول المساء لافتراش العراء في حديقة عامة، بسبب افتقارهم لمنزل يأوون إليه.    

وخسر رب العائلة، وهو رجل في العقد الخامس من العمر، ولديه ثلاثة أبناء، منزله وعمله في الغوطة الشرقية نتيجة الدمار الذي خلفته الحرب خلال السنوات القليلة الماضية.

ويقول: “صرت على الحديدة، وخسرت عملي في إحدى مزارع ريف دمشق عام 2015، إذ كنت أعيش منه، وليس لدي القدرة على العمل اليوم.”

وبات “التشرد” من الظواهر المألوفة في شوارع العاصمة السورية وحدائقها، بسبب تردي الواقع الاقتصادي، وتزايد مستويات البطالة والظروف المعيشية الصعبة لآلاف العائلات.

ومن نفس الحديقة التي يعيش فيها، يجمع “عبدالله” ما توفر من المال، عن طريق سؤال زوار الحديقة، بعد أن “كنت آكل من عرق جبيني.”

وبعد إعلان الحكومة السورية سيطرتها الكاملة على الغوطة الشرقية مطلع نيسان/أبريل 2018، حاول الرجل العودة لحيه، لكنه انهار بعد رؤيته لمنزل العائلة وقد سوي بالأرض بفعل القصف.

وتتزايد أعداد المتشردين والمتسولين في سوريا عموماً، “كنتيجة لفشل حكومة دمشق في تأمين المواد الأساسية والدعم للفئات الهشة في المجتمع.” خصوصاً في المناطق التي تسيطر عليها.

مخملية وشعبية

وتصنف تقارير إعلامية وحقوقية المشردين ـ المتسولين في دمشق إلى فئتين، “مخملية وشعبية.”

وتفضل الفئة المخملية، الإقامة في الأماكن الراقية كأبي رمانة والصالحية والقصور، أما الفئة الثانية فلها كل المدينة.

وتتنوع الأساليب في استجداء المساعدات بين طرق مباشرة وغير مباشرة، إذ يقوم البعض ببيع البسكويت والعلكة في الطرقات أو مسح زجاج السيارات عند إشارات المرور.

تقول غالية محمد، وهو اسم مستعار لسيدة تبلغ من العمر ستين عاماً، “يومياً أشتري علبة بسكويت وأجلس هنا. هناك من يشتري وهناك من يعطيني نقوداً دون أخذ البسكويت.”

وخسرت “محمد”، النازحة من دير الزور، كامل أفراد عائلتها، ليستقر بها الحال في دمشق “دون مأوى أو معيل.”

وفي أول أيام عيد الفطر الماضي، ولحظة خروج المصلين من المساجد بعد صلاة العيد، بدأ عشرات الأطفال والنساء والمسنين يسارعون لطلب المساعدة.

وبعد المعايدة مباشرة، يرددون عبارات من قبيل “شو ما يطلع من خاطرك”، وفي مشاهد مماثلة تكاد السيارات أن تدهسهم وهم يلحون بالطلب في شوارع دمشق.

وفي آذار/ مارس الماضي، أعلن شون أوبراين، ممثل برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة ومديره الإقليمي في سوريا، أن “الأزمة في سوريا تسببت بخسائر فادحة للشعب السوري.”

وأضاف: “الأزمة في كل يوم، تدفع بالمزيد والمزيد من السوريين نحو الجوع والفقر، وتواجه الأسر خيارات مستحيلة.”

وفي شباط/ فبراير الماضي، قدّر البرنامج أن ما لا يقل عن 12.4 مليون شخص في سوريا يعانون من انعدام الأمن الغذائي والجوع.

لا دور للجمعيات

ورغم انتشار هذه الظواهر، إلا أنّه لا توجد إحصائيات دقيقة تكشف أعداد المشردين، ليبقى دور وزارة الشؤون الاجتماعية منحصراً في الضبوط من خلال الدوريات.

وقال مصدر رسمي من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل الحكومية، لنورث برس, إنَّ “مكافحة ظاهرة التسول، ليس من اختصاص الوزارة وحدها، بل كل الوزارات معنية بها.”

وتنتشر في محافظات سورية مكاتب لمكافحة التسول، “تشكل أدوات عمل وآلية عملية لتطويق الظاهرة وضبط حالاتها”، بحسب المصدر.

وأشار إلى أنه تم افتتاح مركزين لاستضافة الأطفال المتسولين والمشردين في قدسيا وباب مصلى يتبعان لجمعية حقوق الطفل، وتحت إشراف وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل. 

وينحصر دور وزارة الشؤون الاجتماعية في الضبوط التي تأتيها من خلال الدوريات التي تلقي القبض على المتسولين في بعض الأحيان.

ولا تكترث معظم الجمعيات الخيرية في دمشق، بوضع هؤلاء المتسولين، سواء كانوا أطفالاً أو نساء أو كبار في السن بحسب متابعين وناشطين حقوقيين.

وقال مصدر، في إحدى الجمعيات الخيرية لنورث برس إن “عمل الجمعيات يقتصر على تقديم المعونة والمساعدات للأسر الفقيرة، وفق شروط ومعايير محددة.”

وتشترط الجمعيات أن يكون (الشخص ـ العائلة) مُسجلاً في الجمعية، وله عنوان إقامة معروف، بحسب المصدر.

وأشار المصدر إلى أن حال المتسولين والمشردين، “لا يدخل ضمن اختصاص الجمعيات الخيرية، بل يحتاج لمعالجة حكومية على مستوى الدولة ككل.”

إعداد: آرام عبدالله – تحرير: خلف معو